بغداد | أجاد رئيس الحكومة حيدر العبادي، مرة أخرى، دور المناورة وتحويل الأزمات لمصلحته. فبعد «ثورة» النواب المعتصمين ضد رئيس البرلمان سليم الجبوري والتصويت على إقالته، ومن ثم فشلهم في اختيار بديل له، تمكّن العبادي من استغلال الأزمة ليرمي الكرة في ملعب البرلمان، عازياً تأخير تقديم تشكيلته الحكومية إلى عدم التئامه، في وقت تلقى فيه مزيداً من الدعم الأميركي، وهذه المرة على الصعيد العسكري.
في غضون ذلك، أخذت أشكال الاحتجاجات والاعتصامات مناحي جديدة، منذ ساعات الصباح الباكر، حين بدأ متظاهرون ومعتصمون من مختلف المدن العراقية بمحاصرة مباني ومقارّ الوزارات والهيئات المستقلة، بينها مقر التلفزيون الرسمي العراقي، للضغط على الوزراء للاستقالة بعد دعوة زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر لهم، ما دفع بعض الوزارات إلى إخراج موظفيها، باكراً، وإغلاق مقارّها، كما فعلت وزارة الكهرباء التي اتهمت المعتصمين بإثارة الشغب في محيط مبناها.
إلا أن نواباً في «كتلة الأحرار» التابعة لـ «التيار الصدري»، أكدوا لـ«الأخبار» أن محطات توليد الطاقة الكهربائية لا تشهد أي اعتصامات أو تظاهرات، مشيرين إلى أن التظاهرات والاعتصامات «السلمية» متركزة أمام وقرب مقارّ الوزارات الرسمية. وأكد النائب عن الكتلة حاكم الزاملي، أن المعتصمين على درجة عالية من الانضباط والالتزام، ولم يقوموا بأي أعمال شغب، كما رُوِّج له.
وشهد محيط مبنى شبكة الإعلام العراقي، الذي يضم التلفزيون والإذاعة الرسميين، احتجاجات شعبية واسعة تنديداً بسياسة القناة التي اتهموها بالانحياز إلى الرئاسات الثلاث والسياسيين والحكومة، وعدم تغطية التظاهرات والاعتصامات التي تشهدها بغداد، وهو ما دفع رئيس الشبكة محمد عبد الجبار الشبوط إلى الخروج للقاء لمعتصمين والاستماع إلى مطالبهم.
كذلك، شهدت مناطق متفرّقة في بغداد إجراءات أمنية مشددة غير مسبوقة، تمثلت في انتشار قوات التدخل السريع ومكافحة الشغب حول مقارّ الحكومة المحلية في بغداد ومختلف الوزارات، فيما عمدت الأجهزة الأمنية إلى قطع العديد من الطرق والشوارع، ما سبّب حالة من الاختناقات المرورية الحادة.
في هذه الأثناء، علمت «الأخبار» من مصادر متابعة أن المعتصمين سيبدأون، اليوم، اعتصاماً أمام الكليات والجامعات العراقية، في محاولة لزيادة الضغط الشعبي. وعلى إثر ذلك، عقد العبادي اجتماعاً مع قائد عمليات بغداد عبد الأمير الشمري، وطالبه بأن «لا يسبب أي إجراء بأذى للمواطن، وتضييق الخناق عليه وتوفير الحماية اللازمة له ولمؤسسات الدولة».

كارتر لم يخض في مسألة «الحشد الشعبي» في زيارته

يأتي ذلك فيما فشل النواب المعتصمون في عقد جلستهم، التي تأجلت لمرتين بسبب عدم اكتمال النصاب، وسط حديث عن انسحاب عدد منهم، فيما عقد رئيس البرلمان سليم الجبوري سلسلة لقاءات سياسية كان أبرزها لقاء جمعه بممثلين عن الأمم المتحدة والسفارتين الأميركية والبريطانية، بحضور نواب وقيادات عن «تحالف القوى» الذين جددوا تمسكهم بالجبوري.
أما في ما يتعلق بالمحكمة الاتحادية المنتظر أن تبت قضية إقالة الجبوري، فقد أعلنت عدم وصول أي طعن أو دعوى بشأن عدم دستورية جلسة الإقالة، في محاولة للتهرب من الموقف الذي وضع فيه القضاء. وقال المتحدث باسم المحكمة عبد الستار بيرقدار، في بيان رسمي، إن «المحكمة الاتحادية العليا لم تصدر أي حكم أو قرار بصدد دستورية أو عدم دستورية القرار الذي اتخذه البرلمان، في جلسته المنعقدة في تاريخ 14 نيسان الحالي، بشأن هيئة الرئاسة فيه».
وفي السياق، أعلن رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ورئيس «ائتلاف الوطنية» إياد علاوي تشكيل لجنة من جميع الأطراف، من ضمنها النواب المعتصمون، لـ«تقديم تصورات في سبيل الخروج بحلول تؤدي إلى نزع فتيل الأزمة الحالية، وبما يخدم مصالح الشعب العليا»، مؤكدين «ضرورة التهدئة وإعطاء الحوار والتفاهمات دوراً في حلّ الأزمة الراهنة».
إلى ذلك، أبلغ مصدر مقرّب من الحكومة «الأخبار» بأن العبادي ينتظر التئام البرلمان وعقد جلسة موحّدة لتقديم كابينته الوزارية. وأكد المصدر أن كابينة العبادي أصبحت جاهزة، موضحاً أن الأخير أجرى مشاورات بشأنها مع عدد من الكتل السياسية.
من جهة أخرى، وصل وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر إلى بغداد. وقال مصدر مطلع لـ«الأخبار» إن هذه الزيارة تتعلّق بمناقشة الاستراتجية الأميركية الجديدة لمحاربة «داعش». وفي ما إذا كانت المحادثات تناولت موضوع «الحشد الشعبي» ومشاركته في المعارك، أكد المصدر أن «الأميركيين باتوا أكثر تفهماً للحشد، ولم يعودوا للخوض في هذا الموضوع».
وفي السياق، أكد كارتر أن «إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ستصعّد حملتها العسكرية على تنظيم داعش، بإرسال المزيد من القوات للعراق»، مشيراً إلى أن تلك القوات «ستتمركز في مواقع أقرب إلى جبهة القتال، لتقديم المشورة للقوات العراقية».
وقدم كارتر اعتذاره لرئيس إقليم كردستان ــ العراق، مسعود البارزاني، لعدم «استطاعته» زيارة أربيل، ليكون بذلك ثاني مسؤول أميركي يزور بغداد ويتجاهل أربيل، الأمر الذي عدّه مراقبون رسائل أميركية للإقليم في تغيير نهجها مع بغداد.
وفي سياق متصل، أفاد مسؤول عسكري أميركي بارز وكالة «رويترز»، بأنه «سيُرسَل نحو 200 جندي أميركي ليزيد عدد الجنود الأميركيين في العراق إلى نحو 4100 جندي».