بعد مرور سبعة أشهر على «انتفاضة القدس»، حدث أمس ما كان ينتظره الإسرائيليون... تفجير حافلة في مدينة القدس أدت إلى جرح 21 شخصاً، عدد منهم في حالة خطرة.

وفي الأشهر الماضية، أعلن الأمن الإسرائيلي اعتقال عدد من الخلايا التي كانت تنوي تنفيذ عمليات «فدائية» (إطلاق نار وأسر)، أو «استشهادية» تستهدف شخصيات إسرائيلية، منها رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، نتيجة أخطاء صغيرة وقع فيها أحد أفراد الخلايا.
إلقاء العدو القبض على المقاومين قبل تنفيذهم العمليات، دفع أصحاب القرار في المقاومة إلى التحقيق في مكامن الخلل، لتتفاداه الخلايا الباقية، فكان القرار اختيار أفراد لا يملكون أي سجلات ولا تحوم حولهم أي شبهات أمنية، بالإضافة إلى أشخاص لا يرتادون المساجد التي ينشر العدو فيها عيونه، معتقداً أنه يجري تجنيد أفراد فيها.
وبعد إجراء المقاومة تحقيقاً عن سبب سقوط «خلية القدس»، التي كانت تنوي اغتيال نتنياهو، طلبت من باقي أفراد الخلايا النائمة، عدم تغيير عاداتهم اليومية حتى لا يثيروا الشبهات من حولهم. هذه الخطوات الاحترازية، والعمل بصمت بعيداً عن عيون السلطة الفلسطينية والعدو، أوصلت إلى تنفيذ العملية.
هكذا، نجح أحد المقاومين عصر أمس، في تحقيق أسوأ كوابيس العدو، وهو تفجير إحدى الحافلات. وقع الانفجار في شارع الخليل، في القدس، وتحديداً على خط سير رقم 12. في البدء، لم يتضح سبب الانفجار، هل هو بسبب خلل تقني أو عملية «فدائية». وعلى مدى ساعة كاملة تضاربت الأنباء والتصريحات في الإعلام الإسرائيلي. فقد أعلنت شرطة العدو أن «التفجير ناتج من عمل أمني (فدائي)»، أدى إلى احتراق حافلة أخرى متوقفة بالقرب من الحافلة المستهدفة. مع مرور الوقت، تبدلت الرواية، لتصير أن «خللاً تقنياً أدى إلى اندلاع الحريق وانفجار الحافلة».
بعد أقل من ساعة من رواج هذه الرواية، خرج رئيس بلدية القدس، نير بركات، معلناً أن انفجار حافلة شركة «إيجد» سببه «عبوة ناسفة»، ودعم البيان الصادر عن مستشفى هداسا، لأن عدداً من الجرحى الذين عولجوا أصيبوا بعدد من المسامير.
مع انتشار هذه الرواية، بدأ إعلام العدو التعاطي مع المسألة على أنها عملية «أمنية»، ثم تبين من تحقيق الشرطة أن العبوة لم تفجّر عن بعد. وقالت المتحدثة باسم شرطة العدو إن «العبوة الناسفة وضعت في الجزء الخلفي من الحافلة ومجمل الإصابات 21 جريحاً 2 بالغة الخطورة و7 بجراح متوسطة». وروّجت وسائل إعلام العدو أن فلسطينياً من قرية صورباهر هو منفذ العملية وأصيب بجروح خطرة.

من المتوقع أن يكون ردّ الفعل الإسرائيلي كبيراً أو بالاغتيالات

ثم في ساعات المساء الأولى، قال السائق إنه قبل انطلاقه، فتش الحافلة مرتين، لكنه لم يجد شيئاً، وفي خلال قيادته الحافلة، سمع دوي انفجار خلفه ففتح أبواب الباص طالباً من الركاب النزول، مؤكداً أنه رأى «شاباً فلسطينياً مقطوع اليدين». وأعلن قائد شرطة العدو في القدس، اللواء يورام هاليفي، أن التحريات تجري بشأن كيفية وصول العبوة وهوية الشخص الذي وضعها، موضحاً أنه «يجري فحص احتمال أن يكون الشخص الذي جلس في الجزء الخلفي من الباص وأصيب بجراح خطرة جداً هو المسؤول عن وضع العبوة». واللافت أن هاليفي أكد أنه «لم يكن لدى الأجهزة الأمنية إنذار مسبق بشأن العملية»، مشيراً إلى أن الشرطة كانت في حالة تأهب «ربطاً بعيد الفصح اليهودي القريب».
نتنياهو، تطرق في خلال كلمة كان يلقيها بمناسبة الذكرى الـ80 على تأسيس منظمة «إيتسل»، إلى عملية القدس، فتوعد بالوصول إلى «الجهات المرسلة التي تقف وراءها... وسوف نتحاسب مع هؤلاء الإرهابيين». وكان نتنياهو قد تباهى خلال الاجتماع الأسبوعي الماضي للحكومة بتراجع منسوب العمليات الفلسطينية، عازياً الأمر إلى السياسة التي ينتهجها وجهود الأجهزة الأمنية.
في المقابل، رأت الفصائل الفلسطينية أن العملية «ردّ طبيعي على جرائم العدو». وباركت «حركة المقاومة الإسلامية ــ حماس»، على موقعها، العملية قائلة إنها «ردّ فعل طبيعي على الجرائم الإسرائيلية، خاصة الإعدامات الميدانية وتدنيس المسجد الأقصى». وكان لافتاً وسم الحركة التغريدة بعبارة «سقف الباص الطاير»، وهي العبارة التي كان يرددها قائد «حماس»، الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، التي حلّت ذكرى استشهاده في الأيام الماضية. كذلك باركت «حركة الجهاد الإسلامي» العملية، قائلة في بيان أمس، إن «انتفاضة القدس مستمرة، والشعب الفلسطيني لن يبقى صامتاً أمام الجرائم الإسرائيلية، ولدى الفلسطينيين ما يحقق الرد والعقاب السريع على الجرائم».
كذلك قالت مصادر في المقاومة إن «العملية تردّ على تصريح (محمود) عباس (رئيس السلطة الفلسطينية) بأنه في حال انسحاب إسرائيل من المناطق (أ) فإنه سيخمد الانتفاضة». وأضافت: «بعد عملية القدس لن يستطيع عباس إخماد الانتفاضة لأنها دخلت مرحلة جديدة».
وتابعت المصادر بأن «المرحلة المقبلة ستشهد تطوراً في العمليات ضد العدو الإسرائيلي، وأن العمليات ستستهدفه في الأماكن التي لا يتوقعها». وعند سؤالها هل سيعاد تفعيل العمليات الاستشهادية، أجابت: «كل الخيارات متاحة أمام المقاومة، ومنها تنفيذ هذا النوع من العمليات». وبينت أن الارتقاء إلى هذا النوع من العمليات، قد يدفع العدو إلى رد فعل مجنون، مثل «إعادة تفعيل عمليات اغتيال قيادات المقاومة في قطاع غزة وخارجه، وهو ما قد يوصل إلى حرب».
أما عن أسلوب الاغتيال الذي قد يلجأ إليه العدو، فقالت إن العدو «قد يسعى إلى تسميم القيادات الموجودة في الخارج، وعدم تنفيذ عملية أمنية واضحة، كي لا تؤثر سلباً في علاقة العدو مع الدول الخليجية، خصوصاً أن هذه العلاقة آخذة بالتحسن».