غزة ــ الوقتُ يدهم رأسي بضجيج الأخبار. أمَّا طاولة الصباح، فإنَّها تضجُّ برمادِ سجائر وذكرى أشياء ولَّتْ: فرن طينٍ، بابور الكاز، و«شحابير» صوَّرتها ذاكرتي المُعتَّقة. في يوم كهذا من عامين، كنتُ أصنعُ القهوةَ، وإذا بالأرضِ تقلبُ الركوة على يديَّ، أُعانقُ جدار المطبخ من ورائي دون صوت، المُفاجأة أخرستني، ثمة خوف يُشبهُ قنابل صامتة، في السابع والعشرين من ديسمبر، وُلِدَ ابن لأخي باسم براء، وسط قصف يُغذي الموتَ، وأرض تفورُ بجثث ودم.

اليوم، الكُلُّ بلا استثناء يحتفل بعيدِ ميلادِ ابن أخي، بطريقة مُختلفة، ومُفجعة. لكنني أتساءل: أليس حريّاً بنا في يوم كهذا أن نُلغي جوازات الخلاف؟ أن نُلغي هذه الحوارات والمفاوضات والأسئلة والإغلاقات، ولنكسر الحصار بصوتٍ مُوحد! أم أن ذكرى الحرب ليست كفيلة بحدادِ صمتٍ للحظة، نُعيدُ بها صياغة الحاضر، ونقول كفى!.. إ
لى أين قُدنا هذا الشعب الذي استثمر كل طاقاته في النضال، ونشرات الأخبار، والتحزُّب، والقتال لتحريرِ بعض الأوكسيجين النقي، من دون أن تحول بينه وبينها رصاصات عشوائية، أو عتمة حتمية، أو موتورات تُولدُ كهرباء مدفوعة من أعصابنا!
آن لنا أن نتبنى الثقة في خطوة جديدة، هذه هي مُعطيات الحاضر والماضي، حصار! قصف من يومٍ لآخر، أفواه خرساء تبيعُ القضية للشيطان، ضفة تُصَادَرُ علناً على الملأ، وغزة يعتريها فقر مُدقع، آفات من كلِّ نوع، من كلِّ اتجاه! تعالوا نُحرِّر أيدينا المُكتَّفة. أَمَا آن؟
كيف نُسدِّدُ فواتير كل هذا الألم؟ علينا أن نتجاوز كل الأوضاع، كلِّ المؤثرات، سواء داخلية أو خارجية، لتكن هدية البابا نويل، هدية عام 2011، ضحكات صادقة على أبواب المحتاجين، وكُلّنا محتاجون لغفرانٍ يدوم، مؤكدين الوحدة بأربعةِ ألوان: «أخضر.. أحمر.. أسود وأبيض»، لنذكر القدس بدلاً من كلمة المفاوضات، مثلاً، التي كما أراها لعبة سياسية خلقها السادَّة، لنلهو بها ونُدير ظهورنا لما هو أهم وأولى بكثير، القدس... ماذا عنها؟
حق العودة، حق النضال بلا استثمارات يرأسها الكُرسي، الكراسي تهترئ، وتصديقنا كذلك، نحنُ ملَلنا هذا الوضع السائد، المُرتكز على التأجيل والتفويض باسمِ غدٍ مجهول الملامح والرؤية، ما يجعلُ شاباً لم يتجاوز العشرين، يرشح نفسه، استهزاءً بالحكومتين وحالة الفوضى التي تعمُّ فلسطين بأكملها. نعم، نريدُ انتخابات جديدة، وأسس منطقية لواقع الغد، يُلبي حاجات هذا الجيل وهذا الشعب ومتطلباتهما، مُتجاوزين تماماً النقاشات والجدالات العقيمة التي تصنع طاولات مؤقتة.