توجد حقيقة واضحة جداً، برزت في لقاءي فيينا حول سوريا: الجميع متفق على الحل السياسي والجميع مختلف عليه. والمواقف التي أطلقت في فيينا واحد واثنين (اللقاءات الموسّعة)، وبمناسبتيهما، لا تشير الى أن الحل بات ممكناً، وإن كان مساره قد تبلور في هذه المرحلة.


المعادلة التي تحكم مضمون المسار السياسي، المتفق عليه في الأساس حول سوريا، تؤكد أن الحل يبنى، فقط، على نتائج القتال الميداني، تضاف إليه قدرة المفاوض السياسي على ترجمة هذه النتائج الى اتفاق سياسي. لكن في المقابل، يشترط لتحقيق ذلك أيضاً، أن يكون الطرف الآخر قد استسلم فعلاً، وأدرك أنه غير قادر على تغيير المعادلة الميدانية وإن لاحقاً، الأمر الذي يدفعه الى القبول بما يُملى عليه، مع سعي خاص قدر الاستطاعة، لتحسين صورة الحل السياسي وأشكاله، كي لا يبدو استسلاماً.

انتظار النتائج الميدانية
لا يعني أن أميركا ستضع يداً
على الخد

هل وصلت الأمور الى الحد الذي يفرض فيه طرف إرادته السياسية على الطرف الآخر بناءً على النتائج الميدانية المحققة، أو تلك التي يبدو أنها في طور التحقق؟ حتى الآن، الجواب هو بالنفي، لكن ليس نفياً مطلقاً.
والعقدة في المفاوضات الدائرة بين جميع الأطراف تتركز حالياً حول نقطة جوهرية، تختصر كل المنازلة السياسية حول سوريا: الرئيس السوري بشار الأسد. ليس في إطار شخصنة الأزمة، بل لأن مصير الأسد يحدّد وجهة الحل، ومضمونه ونتيجته النهائية، ومن شأنه أيضاً أن يصنف المهزوم والمنتصر، في الحرب السورية.
وبما أن القتال الميداني لم يقل كلمته النهائية بعد، فإنّ الأطراف في فيينا، واختصاراً الطرفين الروسي والأميركي، اتفقا حالياً على إطار ومسار عام، كحلّ نهائي للأزمة، تتحدد مضامينه لاحقاً، بناءً على الواقع الميداني ونتائجه. والحل سيكون بانتخابات مبكرة، وحكومة وحدة مطعمة بشخصيات معارضة، وحل مرحلي يفضي الى حل نهائي لاحقاً.
هذا من ناحية الشكل، أما من ناحية المضمون فالخلاف يكاد يكون كلياً. فالخلاف حول المدة الزمنية للمرحلة الانتقالية، وإن كان بإمكان الأسد الترشح من جديد، وهوية المعارضة التي ستشارك في حكومة الوحدة، والوزارات التي ستتولاها، وصلاحيات الرئيس في الفترة الانتقالية ومداها، في مقابل صلاحيات الوزارة ومداها... هي من ضمن أمور أخرى، مواضيع خلاف، رغم كل المرونة اللفظية التي تصدر عن واشنطن، في موازاة تشدّد لفظي، أيضاً، مقابل ذلك.
وتحليل المواقف الصادرة في فيينا وفي أعقابها، وتحديداً الموقف الأميركي الذي يختزل في ذاته كل مقاربة خصوم محور روسيا ــ إيران ــ سوريا، يؤكد أن واشنطن تتعامل مع الوقائع انطلاقاً من نظرة عقلانية، من شأنها أن تفضي الى حل، لكن مع محاولة تحسين الشروط، قدر الإمكان.
وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، كان واضحاً جداً، في الإشارة الى وجهة الحل السياسي وإمكاناته، إذ قال قبيل توجهه الى فيينا (2) إنّ الاتفاق الذي سيتم التوصل إليه «سيعتمد على التطورات الميدانية وعلى تضييق الخلافات الجوهرية بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا وإيران من جهة أخرى، حول مستقبل الرئيس السوري، بشار الأسد». وهذا الموقف، تحديداً، ذو دلالتين أساسيتين:
(1) إقرار بأن للميدان الكلمة الفصل في وجه الحل السياسي. (2) حصر الجهات المقررة للحل على روسيا وإيران وأميركا.
إلا أن انتظار النتائج الميدانية لا يعني أن أميركا ستضع يداً على الخد، بانتظار ما يمكن أن يحققه الروس وحلفاؤهم في الميدان السوري. في الوقت نفسه، لا ضرورة ولا حاجة إلى الاستسلام، حتى مع التقدير بأن الوضع الميداني متجه لمصلحة الخصوم، والأعداء. وما يمكن أن يُعطى الآن، يمكن أن يُعطى لاحقاً.
هذا يعني أن أميركا ستؤجل استسلامها، إلا حين الفراغ من الرهان على كل خيار بديل هي قادرة على تفعيله. ليس بالضرورة باتجاه كسر الروس، بل وربما باتجاه عرقلة انتصارهم الميداني وتأجيل إعلان الانتصار. بل يمكن فقط الرهان على عامل الزمن، الذي قد يحمل مفاجآت وتغيير ظروف.
صحيح أن واشنطن تدرك، وتقدر، وهي تعي جيداً، ميزان القوى بعد التدخل الروسي في سوريا، لكنها لن تكون مستعجلة، بل ولا مبالغة في القول إنها ستماطل في التسوية والحل السياسي الى ما بعد ولاية الإدارة الأميركية الحالية، وبالتالي ترحّل الحل الى الإدارة المقبلة، وخاصة أنها نجحت، الى الآن، في حصر مفاعيل التدخل الروسي في سوريا ومنعت تمدده باتجاه الإقليم نحو الساحة العراقية وغيرها.
لكن، ماذا عن موقف السعودية و«الاعتدال العربي» عموماً، إضافة إلى الموقف التركي؟ الواضح أن مصير مواقف هذه الجهات هو الخضوع للمشيئة الأميركية. يعلو صوتها في مرحلة انتظار الحل السياسي، وسيخفت حتى ينتهي في مرحلة التوصل الى اتفاق. وفي هذه المرحلة، تحديداً، يسمح لهذه الأطراف بالتمسك بمواقفها الحادة والمتعنتة، كأداة أميركية إضافية لتحسين شروط واشنطن التفاوضية، مع موسكو وحلفائها.
لم تنته الحرب، ولن تنتهي في المدى المنظور، لا في فيينا 3 ولا في غيرها. الكلمة الفصل للميدان، الذي لم يقل كلمته النهائية بعد.