لا يبدو أن تونس قد خرجت من الأزمة الاجتماعية والاقتصادية العنيفة، التي عرفتها قبل أيام، وهي أزمة تعود تقريباً كل عقد، مُذكِّرةً النظام التونسي بأنّ الصورة التي يريد تقديمها للخارج السياحي والاستثماري ليست سوى صورة خادعة، ولا تكشف عن حقيقة الأمور، إذ إن أقلية صغيرة من التونسيين، فقط، تستفيد من السياسة السياحية ومن الاستثمارات المتدفقة على تونس، فيما الغالبية تكابد حتى تبقى على قيد الحياة.

وتأتي وفاة الشاب محمد البوعزيزي، أمس، بعد إشعال النار في جسده، لتكشف أن وفاة مُفجّر هذه الانتفاضة الشعبية، قد تشعل الأمر من جديد، ما دام التغيير المنتظر لم يأت، وما دام النظام لا يمتلك سوى الحل الأمني لشعب يصرخ «الخبز... الخبز».
في سنة 2007، وضع منتدى اقتصادي عالمي تونس على رأس الدول الأفريقية في ميدان التنافسية الاقتصادية، أمام جنوب أفريقيا. وكان معدل النمو الذي يدور ما بين أربعة ونصف وخمسة في المئة، يثير حسد وغيرة الكثيرين، ويجعل القوى العالمية تريد التفاوض مع تونس. وأتاح للبلد، في أول كانون الثاني 2008 تنفيذ اتفاق التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي.
وفي كل مرة يلعب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي على وتر النجاح الاقتصادي وَوتر الوطنية، وقد كرر الأمر بُعيْد الانتفاضة التونسية، التي بدأت تتسع في كامل البلاد. وتحدّث عن «مبالغات» وعن «استغلال سياسي من قِبل الأطراف، التي لا تريد الخير لبلدها».
لكنّ القادة التونسيين يريدون أن يخفوا الحقيقة التي يعرفها التوانسة جميعاً، والمتمثلة في أن البلد يعيش بالفعل أزمة، وأن الوجه السياحي الذي استطاع النظام تسويقه، لا يمكنه أن يغطي على أزمات كبيرة يعيشها البلد، وأخرى أكبر قد تعصف باستقراره.
ومثل دول المغرب العربي الأخرى، بل وأكثر، تنتشر البطالة الدائمة للحاصلين على الشهادات العليا، الذين ليس عليهم سوى الاشتغال في مِهن دنيا (وهي تحتاج إلى ترخيص، كما حدث مع الشاب المنتحر)، أو طريق المنفى (بكل أهواله ومصائبه).
ولأن الأزمة أصبحت مستفحلة في تونس وتزداد خطورة، فإن البطالة في أوساط حملة الشهادات العليا وصلت الآن إلى 20 في المئة، بل وبلغت في بعض التخصصات نسبة 60 في المئة، حسب البنك الدولي.
إن مشهد التظاهرات ليس جديداً على تونس، وتظاهرات الخبز، التي مرت بتونس تذكّر بأن النظام والبلد ليسا بمنأى عن أزمات عاصفة ومدمرة، لكن الجديد، الآن، هو أن العاطلين الذين يتقدمون التظاهرات هم من أصحاب الشهادات الجامعية العليا، الذين كانوا غائبين عن تظاهرات الماضي القريب.
كانت تونس تمثّل استثناءً، في البلاد العربية، حيث التقدم الاقتصادي، الذي يحرص النظام على إظهاره، مصوّراً إياه كمعجزة اقتصادية، يغطي على طبيعة النظام البوليسي. وكان بريقه يمتد إلى أنظمة عربية أخرى، تريد تحقيق الهدف نفسه. وكم كان لافتاً أن تونس استطاعت أن تصبح بلداً يجذب إليه يداً عاملة من دول عديدة، لعل من بينها المغرب، ولم يُعرَف الأمر، بصفة واضحة، إلّا حين طُرد آلاف المغاربة بسبب الأزمات الاقتصادية، لكنّ حبل الكذب قصيرٌ، فها هو السحر ينقلب على الساحر، وعلى الملاحظ الجديد للمثال التونسي، ألّا يغض الطرف عن وجود مئات الآلاف من التونسيين في أوروبا، كما أن أقلية قليلة جداً استفادت من المعجزة التونسية، أو من السراب التونسي.
لقد تكسر الوهم الرسمي التونسي، الذي كان مؤداه، أنّ الشعب قد يَقْبل نوعاً من «القمع» ومن «مصادرة الحريات» إذا وُفِّرَ له رغيف الخبز، لكن الشعب التونسي استنتج أن هذا النظام لم يَعُد قادراً حتى على توفير هذا الرغيف. أما في ما يخص «جوّع كلبك يتبعك»، فقد أثبتت تظاهرات ربوع تونس أن الشعب قد شبّ عن الطوق، وأنه يريد الخبز والحرية معاً. وبالتالي، فإن الحديث عن شائعات الخارج المُغرِضَة، وعن دور الفضائيات العربية وغيرها في نشر الأكاذيب والمغالطات، أو المؤامرات الأجنبية، لم يعد يصدقه أحد.