حتفال رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بإلانجازات الاقتصادية التي حققتها حكومته لن يشفع له في صراع البقاء (في السلطة) الذي انطلقت إشارات بدايته في الأيام الأخيرة. يعلم نتنياهو قبل غيره أن الحكومات في إسرائيل تقوم وتسقط على قضيتين اثنتين: الأمن والعملية السياسية. الجمود في الثانية يمكن أن يكون موضع تسامح داخلي ودولي عندما تطغى السخونة الأمنية على واجهة الأحداث وتمنح قادة تل أبيب الرافعة اللازمة لتعطيل التقدم السياسي. أما عندما تكون السنوات الثلاث الأخيرة هي الأكثر هدوءاً خلال العقدين الأخيرين ـــــ كما يردد المسؤولون الإسرائيليون ـــــ فإن الوجه الآخر لهذا «الإنجاز» هو ارتفاع سقف التوقعات الدولي والإقليمي وبعض الداخلي لإحداث اختراقات سياسية. معضلةٌ إسرائيلية نموذجية تزداد حدتها عندما تكون مقاليد السلطة في يد حكومة يمينية غير متحمسة ضمناً للتسوية، ولا تقدر على دفعها قدماً، وإن تحمست.

في هذه الحال، يتحول اتهام الطرف الآخر بالعرقلة والتعطيل إلى خط الدفاع الوحيد المتاح، وهو ما يبدو واضحاً أن الخطاب السياسي لنتنياهو بات يستند إليه. حديثه عن «اللاءات» الفلسطينية الثلاث بوصفها المسؤولة عن هذا الجمود هو الحلقة الأخيرة في سلسلة ممتدة من المرافعات الإسرائيلية. بيد أن نتنياهو نفسه يدرك أن الحد الأقصى للمفاعيل السياسية التي يمكن هذا النوع من الذرائع أن ينتجه هو تقطيع تكتيكي للوقت ليس إلا. من الناحية الفعلية، الجمود الراهن، وخصوصاً في ظل المعطيات المتكشفة التي تفيد بأن المفاوض الفلسطيني لا يكتفي فقط بإعلان الاستعداد لبحث قضايا الحل الدائم، بل يبادر إلى تقديم مقترحات عملية على هذا الصعيد، يرفض المفاوض الإسرائيلي النظر فيها. هذا الجمود لا بد أن ينعكس توتراً في العلاقة مع الراعي الأميركي، الذي سبق أن أعلن أمام الملأ أن السلام في الشرق الأوسط يندرج في إطار المصالح التي تخدم الأمن القومي للولايات المتحدة.
والتوتر مع الولايات المتحدة كان له على الدوام انعكاساته الإسرائيلية الداخلية. سقوط حكومة إسحق شامير عام 1992 هو المثال الأكثر دلالة على ذلك. الشفيع الوحيد لنتنياهو حتى الآن كان حزب العمل، شريكه الائتلافي الأبرز ـــــ رغم أنه ليس الأكبر ـــــ الذي يؤدي دور ورقة التوت التي تغطي عورة يمينية الحكومة الفاضحة. تمترس نتنياهو وراء وزير دفاعه، إيهود باراك، الذي فوّض إليه بصورة شبه كاملة ملف إدارة العلاقات مع الأميركيين. فعل ذلك، وعينه على وزير خارجيته، أفيغدور ليبرمان، الذي صرح أول من أمس أنه يسعى إلى أن يكون زعيم اليمين في الانتخابات المقبلة. التكتيك الذي اعتمده نتنياهو هو ممارسة حال انفصام سياسي واعٍ بين دوره كزعيم لمعسكر اليمين في الداخل، وتقديم نفسه كزعيم لإسرائيل أمام الخارج. جَهِد في المناورة بين الاستحقاقات المختلفة إلى حد التناقض التي يفرضها كلٌ من الموقعين: تكريس الاستيطان في مقابل تجميده تمهيداً لإنهائه، عقيدة أرض إسرائيل الكاملة في مواجهة الانسحاب من «يهودا والسامرة» (الضفة الغربية) التي تمثل في الوعي اليهودي، الديني والقومي، مهد الحضارة اليهودية، الدولة اليهودية (والديموقراطية) إزاء الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها الدولة المستقلة وحق العودة، القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل في مقابل القدس المقسمة لعاصمتين فلسطينية وإسرائيلية. مناورات نتنياهو كانت مجدية وقابلة للاستمرار، ما تمكن من الإمساك بالعصا من طرفيها، وهو الأمر الذي يبدو أن ثمة مؤشرات قوية على تعذر ديمومته. السبب الرئيس هو التململ الداخلي الذي انطلقت بوادره داخل حزب «العمل» قبل مدّة، ويظهر بوضوح أنه استمد زخماً في الأيام الأخيرة بلغ حد انضمام أقرب المقربين من باراك، وزير الصناعة بنيامين بن إليعازر، إلى مجموعة المطالبين (خمسة أعضاء كنيست من أصل 13 هم مجموع كتلة الحزب البرلمانية) بالاستقالة من الحكومة، وتحديد شهر نيسان المقبل موعداً لهذه الاستقالة إن لم يحدث اختراق جدي في محادثات التسوية. ومن الواضح أن باراك، المتمسك بأسنانه بالبقاء داخل الحكومة، لن يكون قادراً على صد هذه الحركة التمردية المتنامية طويلاً، وخصوصاً إذا بقي الجمود السياسي قائماً. الكرة ستكون في ملعب نتنياهو. والكرة في هذه الحالة ليست كرة قدم، بل كرة نار: تقديم سلّم البقاء في الحكومة لحزب العمل يقتضي تحريك العملية السياسية، وتحريك العملية دونه تنازلات مفترضة للجانب الفلسطيني، والتنازلات تعني خسارة حتمية للجناح اليميني في الحكومة. لاعب السيرك وحده بإمكانه ملاعبة هذا القدر من الطابات في الهواء، وعندما يفعل فإنما يكون ذلك لفترة وجيزة. هذه الفترة في سيرك نتنياهو السياسي تشارف على الانقضاء.