جوبا ــ الأخبار

الحديث عن الفقر وتردّي ظروف الحياة وسط الغالبية العظمى من سكان جنوب السودان، ليس بالأمر الغريب، جراء معايشة الإقليم منذ استقلال السودان في خمسينيات القرن الماضي أهوال الحرب الأهلية. إلّا أن عدم تحسن الأوضاع منذ توقيع اتفاقية السلام عام 2005، خيب آمال الكثير من الجنوبيين في تحقيق أيّ تقدم في المستقبل، فيما يرى آخرون أنّ التغيير بات فى الأفق مع اقتراب انفصال الجنوب.
ويحاول الشاب تور تلخيص ما يعانيه معظم الجنوبيين، بقوله «كنا نعاني طيلة سنوات الحرب الفقر والمرض. وكنا ندرك أن هذه المعاناة ستزول بزوال الحرب وانتهائها». قبل أن يضيف «ولكن أن تستمر المعاناة بعد توقف الحرب، أي فى ظل السلام، فهذا أمر يدعو إلى الاستغراب».
ويوجّه تور الانتقاد إلى حكومة جنوب السودان، متهماً إياها بعدم الاهتمام بهموم المواطن المعيشية، وصرف النظر عنه، على الرغم من تعويل الجنوبيين عليها لإيجاد حلول للمشاكل التي يواجهونها، نظراً إلى الإمكانات والموارد التي يزخر بها الإقليم من نفط ومعادن وأرض رزاعية خصبة وثروة مائية، تؤهله ليحتل مكانة اقتصادية متقدمة.
ويشكو تور من البطالة المنتشرة في الجنوب، قائلاً «أنا الآن عاطل من العمل منذ ثلاث سنوات، والحصول على وظيفة حلم ظل يراودنا، لأن عدم توافر وظيفة نستطيع من خلالها تأمين لقمة العيش هو قضيتنا الكبرى، وأكثر ما نتخوف منه».
ويوضح تور مدى صعوبة الحياة في جوبا، العاصمة المرتقبة لدولة الجنوب، قائلاً «الوجبة الواحدة تكلف ما بين 2 إلى 3 دولارات، فمن أين لي بهذه النقود؟»، في منطقة تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 95 في المئة من سكانها يعيشون تحت خط الفقر، ويعتمدون اعتماداً رئيسياً على المساعدات الأجنبية.
بدورها، تؤكّد رجينا، التي اضطرت إلى العمل بائعة فواكه في سوق جوبا رغم كبر سنّها، أن «الأحوال المعيشية صعبة للغاية». وبعد إشارتها إلى أن «أسعار المواد مرتفعة وهذا بالطبع أمر صعب بالنسبة إلى شخص ذي دخل محدود»، أبدت تخوفها من أن تشهد المنطقة في المرحلة المقبلة ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار، يعجز معظم السكان عن تحمّله.
أما ديفيد، الموظف في إحدى المصالح الحكومية، فيشكو من بطء في نمو الخدمات الأساسية في الجنوب، من مستشفيات ومدارس ومياه نقية، إلى جانب غياب الكهرباء وتردي خدمات الاتصالات، مشيراً إلى أن «البنية التحتية فى الجنوب لا تزال تفتقر الى الأساسيات، وتسير ببطء شديد عكس ما كنا نتوقع». ويلفت إلى أن جنوب السودان منذ توقيع الاتفاقية «لم يشهد بناء مستشفى واحد، وداخل المستشفيات الحكومية يصعب الحصول على الدواء أو العلاج المناسب»، قبل أن يعرب عن أمله في أن تقوم الحكومة بتوفير هذه الخدمات خلال المرحلة المقبلة.
بدوره، يأمل استيفن، وهو رب أسرة، في أن تتبدل أحوال الجنوبيين إلى الأفضل بعد الاستفتاء، لأنّ «الجنوبيين لا يزالون يعانون في ظل السلام»، متّهماً المنظمات الدولية بالتخلي عنهم بعد تراجع المعونات التي تقدمها.
والشكاوى من تردي الخدمات في الجنوب لا تقتصر على ذوي الدخل المحدود. ويرى تاجر السيارات دفع الله في غياب البنية التحتية في جنوب السودان عائقاً أمام تطور عمله، وسبباً في تكبده الخسائر. ويقول «نحن نواجه مشاكل جمّة في أثناء نقل السيارات من كينيا وأوغندا إلى الجنوب، فالطرق وعرة، وأحياناً نقضي أياماً على الطرقات قبل إيصال بضاعتنا، وهذا يؤثر في عملنا كتجار، لأن أداءنا دائماً يرتبط بتعهدات ومواعيد محددة».
في المقابل، لا يتذمر جون شول من وضعه، وهو شاب في العقد الثاني من العمر يمتلك متجراً صغيراً. ويبدي رضاه عن وضعه المعيشي الحالي، «فرغم صغر متجري، أستطيع من خلاله تأمين حياتي أنا وأسرتي الصغيرة». ويقارن شول بين الأوضاع الحالية وما كانت عليه في أثناء الحرب، ويقول «قبل توقيع السلام وتوقّف الحرب، لم أكن أحلم بأني سأمتلك متجراً في المستقبل، بل كنا نكتفي بقوت يومنا فقط». ويضيف «أمّا اليوم، فأنا أخطط للغد وإلى ما بعد الغد».
ويرفض شول الحديث عن احتمالات حدوث اضطرابات أمنية في الجنوب في المرحلة المقبلة، ويقول «على العكس، أنا متفائل لأنني أؤمن أن الجنوب إذا نال استقلاله فستتغير أوضاعنا بصورة أفضل». يرى أن الأمور تتطلب فقط بعض الصبر لأن «الأوضاع المعيشية تتغير ولكن ببطء».