يبدو أنّ انتفاضة الخبز التونسية سوف تتحول إلى عدوى في محيطها المغاربي، فما كادت تمر ثلاثة أسابيع على حادثة إحراق التونسي محمد بوعزيزي نفسه، حتى كانت شوارع المدن الجزائرية تشتعل على نحو أعنف بسبب رفع الحكومة أسعار بعض المواد الأوّلية. وانطلقت الاضطرابات يوم الأربعاء الماضي من العاصمة الى المدن القريبة، ثم اتجهت في اليوم التالي نحو الغرب، الأمر الذي يرشّحها لتجاوز الحدود نحو المغرب.

وهناك مخاوف رسمية من أن تلي التحرك الشعبي الجزائري تداعيات أبعد وأكثر تأثيراً، لكون أزمات هذا البلد مزمنة ومركّبة، عدا أنها لا تحتاج إلى من يحرّكها أو ينفخ في نارها، فالاحتقان صار مثل برميل من البارود ملقى على قارعة الطريق.
حين وصل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الى حكم الجزائر سنة 1999، كان برنامجه يتلخص في نقطتين: الأولى إجراء مصالحة وطنية (الوئام الوطني) تضع حداً للحرب الأهلية الدامية التي شهدها عقد التسعينات، والثانية هي حل أزمة بطالة الشباب، التي تصل في بعض المدن حتى نسبة 40 في المئة. ونجح الرئيس، جزئياً، بإغلاق الملف الأسود لسنوات الرصاص، التي راح ضحيتها أكثر من 200 ألف قتيل. غير أنه لم يتمكن من مواجهة القضية الأكثر صعوبة، وتضاعف عدد الشباب العاطلين من العمل مرات عدة، فيما كانت تتكدس مليارات الغاز والنفط في الخزانة العامة.
مشاكل الشبيبة في الجزائر أخطر وأعمق من نظيرتها التونسية، فالجزائر بلد غني، والدولة تخلصت من ديونها الأجنبية، ويتوافر فيها احتياطي ضخم من العملات الأجنبية ( 203 مليارات من الدولارات) يسمع المواطن عنها، لكنه لا يرى غير صفقات رهيبة في التسلح، ولم يلمس انعكاسات الارتفاع في أسعار النفط والغاز على الوضعية الاجتماعية للطبقات الفقيرة. كما ازداد عدد الأثرياء، وبرزت طبقة من المستفيدين من الحكم تتّسم بالغنى الفاحش والبذخ، وهي تنحدر من أبناء الجنرالات ومسؤولي حزب جبهة التحرير.
الجزائر، شأنها شأن تونس التي لا يستفيد من نموها الاقتصادي إلّا بطانة الرئيس وبطانة زوجته، لا يستفيد من الثروة فيها الشعب ولا الشبيبة، الذين ازداد غضبهم بعدما شهدوا في بداية السنة الجديدة 2011 زيادات رهيبة (وصلت إلى الضّعف أحياناً) في بعض المواد الأساسية للمواطن الجزائري، من زيت وسكّر وطحين وبطاطا وغيرها. ومن يرَ بعض الصُوَر المنقولة من أماكن التظاهرات في الجزائر، ويرَ العنف الذي يطبعها، يعرف أنّ ثمة طلاقاً بين الطبقة السياسية الحاكمة والشعب، وخصوصاً الشباب منه. شبابٌ ينهبون مدارس ومتاجر ويأخذون كل ما تصل إليه أياديهم.
العمل السياسي في الجزائر، مثله في تونس، وصل إلى طريق مسدود، فلا أمل في تناوب حقيقي على السلطة، ولا وجود لأيّ بديل للنظام الحالي، وعلى الرغم من مرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الظاهر، فإن مستشاره، رئيس الوزراء السابق عبد العزيز بلخادم، لم يتورّع أخيراً عن الحديث عن ترشح الرئيس في سنة 2014 لولاية رابعة، فيما الدستور لا يجيز أكثر من ولايتين متتاليتين.
لا تنقص العوامل التي يمكنها إشعال الشارع الجزائري، وجعله يحترق ويُحرق. وليس المثال التونسي، وحده، هو المُعْدي، وإن كان قد جاء في الفترة نفسها. ورغم أن وسائل الإعلام الجزائرية لم تتحدث عن هذه التظاهرات وامتداداتها، فإن الأخبار الآتية من الجزائر تعلن أن التظاهرات وأعمال الشغب تمتد في مختلف أطراف الجزائر الواسعة (العاصمة، وفي قلبها حي باب الواد، وباش جراح ومدينة وهران على حدود المغرب، وتيبازا المتوسطية وقسنطينة وعنابة). وامتدت الاحتجاجات أمس نحو الشرق، وبلغت عنابة وسطيف، ويُخشى انتقالها إلى تيزي أُوزو، التي لم تعرف الهدوء على خلفية مطالب منطقة القبائل للحصول على معاملة ثقافية خاصة.
ما الذي يمكن أن تفعله السلطات الجزائرية؟ لقد أعلنت إلغاء بعض الزيادات في الأسعار، لكنّ الأمر لا يكفي، فالمشاكل تراكمت وأصبحت قنبلة موقوتة. ومثلما كانت الهجرة (لَحْريكْ)، متنفّساً، كما كانت مخرجاً للشبيبة التونسية، فقد جاء التنسيق الأمني بين دول المغرب العربي مع أوروبا ليقضي على هذا الحلم. وهو ما دفع الكثير من التونسيين، وأيضاً الجزائريين، إلى الانتحار.
وإذا كانت هذه الشبيبة في السابق، لا تعرف شيئاً، لا عن الخارج الأوروبي (المرآة الجاذبة)، ولا حتى عن الأقلية المحظوظة في بلدها (مافيا التجارة والعسكر)، فهي الآن تعرف كل شيء. لقد جاءت وسائل الاتصال الحديثة لتكشف كل شيء. وأصبح الوضع أمام أفق مسدود: دولة عاجزة وفاشلة وشبيبة في وضعية بائسة. الحل الوحيد هو كما تلفّظ به أحد المتظاهرين في باب الواد، «لماذا لا نعيد مقولة أبي ذر الغفاري، عجبت لجائع لا يخرج شاهراً سيفه».
لعلّ الأمنية البسيطة لشاعر العراق الجريح مظفّر النواب، قبل عشرات السنين وهو يهرب من سجون العراق ويتخفّى من شرطة شاه إيران، في أن «يكون له بيت وينام»، لا تزال معاصرة في الجزائر، هذه الأيام. رغم كل الوعود الرئاسية، وخصوصاً من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي لم يُخفِ إعجابه بـ «النموذج التونسي».