بعدما أقال وزيرَ داخليته ووعد بفتح تحقيقات في قضايا الفساد الذي ينخر الدولة، أعلن زين العابدين بن علي يوم 13يناير نيته إجراءَ إصلاحات ديموقراطية واسعة في البلاد، كما أقال حكومة محمد الغنوشي ووعد بانتخابات تشريعية مبكرة. وكانت قد جاءت كل هذه التنازلات تكذيباً قاطعاً لخطابه السابق (10 يناير)، الذي زعم فيه أنّ المتظاهرين «عصاباتٌ مقنّعة» تحرِّكها أطرافٌ خارجية، وأنّ الانتقادات الموجّهة إلى الحكومة انتقاداتُ «قلّة يغيظُها ما حقّقته تونس من نجاح في مختلف المجالات».

ولم يكن بوسع الرئيس التونسي أن يفعل غيرَ ما فعل، فبعدما حجب دخانُ الغازات المسيّلة للدموع سماءَ البلاد من أدناها إلى أقصاها، لم يعد من المجدي اختصارُ الأزمة في «أزمة بطالة». وزاد من لاجدوى الحلول التي حاول بها امتصاصَ غضب الشارع في 10 كانون الثاني / يناير، استغباؤُها الفاضحُ للتونسيين.
فإنشاءُ ثلاثمئة ألف منصب شغل، في ظرف سنتين، يستلزم معدلاتِ تنمية، لا قِبَل لأيّ بلد محدود الموارد بتحقيقها، فما بالك بتونس التي يعاني اقتصادُها من آثار تبعيته الكبيرة للاقتصاد الأوروبي الراكد.
ويشبه الوضعُ التونسي الرّاهن وضعَ الجزائر خلال انتفاضة تشرين الأول / أكتوبر 1988، التي فتحت بابَ التّعددية السياسية والإعلامية والنقابية على مصراعيه. الاحتجاجاتُ الحالية سبقتها احتجاجاتٌ اجتماعية ـــ سياسية في قفصة (كانون الثاني / يناير ـــ حزيران / يونيو 2008) وبن قردان (آب / أغسطس 2010) تُذكِّر بتظاهرات مدينتي قسنطينة وسطيف الجزائريتين سنة 1986 (وإن كانت أحسن منها تنظيماً بكثير). كما في جزائر نهاية الثمانينيات، ساندت المعارضةُ بكلّ أطيافها (اليسار والإسلاميون والليبراليون) التحركاتِ الشعبية وسعت إلى إسماع صوتِها في وسائل الإعلام وإعطاء طابع سياسي لمطالبها.
وشارك الاتحادُ العام التونسي للشغل بصورة مباشرة في التحركات بالاعتصامات والإضرابات، ما يعيد إلى الأذهان الحراكَ العماليّ الذي عرفته الجزائر بالتزامن مع تظاهرات الشباب العارمة منذ ما يقارب ثلاثة وعشرين عاماً (وإن كانت النقابةُ التونسية أكثر استقلالاً من اتحاد العمال الجزائريين آنذاك واليوم، على السواء). خطابُ الرئيس بن على في 13 كانون الثاني / يناير يشبه خطابَ الرئيس الجزائري السابق، الشاذلي بن جديد، في 10 تشرين الاول / أكتوبر 1988، الذي أعلن فيه «إصلاحات عميقة»، تلاها استفتاءٌ شعبي على مشروع إصلاحات ترخِّص بالعمل السياسي لكل التيارات المحظورة.
كانتفاضة تشرين الأول / أكتوبر 1988، قد تتمخّض الانتفاضةُ التونسية عن تغيير سياسي مهم إذا استمرت التعبئة الشعبية، ذلك أنّه ليس مستبعداً أن يعمل بن علي، ما إن يخفت صوتُ الشارع، على تحجيم الإصلاحات التي تعهّد بها، بما يحمي مصالح المافيا التي تحكم تونس. من هذه الزاوية، يبدو مطلبُ محاكمة الفاسدين شبه ثوري. فمركزُ الفساد هو «العائلة الحاكمة» نفسُها، وجزءٌ كبير من «نجاحات» الليبرالية التونسية لم يكن في الواقع سوى نجاحات أقارب الرئيس في خصخصة الموارد العمومية وتوزيعها على زبائنهم.
ويحاول النظامُ تفادي حصول تغيير جذري بتحريك «الفزاعة الأصولية» لتخويف حليفيه الأميركي والفرنسي من خطر استيلاء التيّار الديني على الحكم في بلد يصوَّر كجزيرة حداثة في محيط من التخلف الإسلامي. يوم 11 كانون الثاني / يناير، لم يتردّد سمير العبيدي، وزير الاتصال والناطق باسم حكومة محمد الغنوشي، بالقول إنّ «المجموعات المسؤولة عن أعمال العنف، يحرِّكُها متطرّفون من اليساريين والإسلاميين». وما إن نطق بهذا الكلام حتى بدأ «أصدقاء تونس» في العالم في ترديد صداه، بل إنّ أحدهم، عبّر عن خشيته من «تسلّل فرق كوماندوس من الجزائر المجاورة إلى التراب التونسي بغرض ارتكاب عمليات إرهابية فيه» (موقع Radioscopie Tunisie).
في الجزائر، في أكتوبر 1988، كان حضورُ الإسلاميين إلى جانب المتظاهرين أكثر وضوحاً وقوّة بكثير منه في تونس حالياً، ما لم يمنع الرئيسَ بن جديد من محاولة إنقاذ النظام من الانهيار بواسطة انفتاح سياسي لم يُكتب له، للأسف، أن يدوم في شكله الجذريّ أكثر من ثلاث سنوات. هل في السلطة التونسية من يدرك أنّ «الفزّاعة الإسلامية» اختراعٌ غبيّ، وأنّ واجب إطلاق الحريات لا يتعارض مع واجب حمايتها من الخطر الأصولي؟ هل فيها من يدرك أن بن علي، رغم تشبُّهه بديغول وهو يقول للمتظاهرين «فهمتُكم»، لم يعد «رجل الموقف» بعد أربع وعشرين سنة من الاستبداد، وأربعة أسابيع من حمّامات الدم؟ لم تُظهر الأزمةُ الحالية بعدُ شروخاً مهمّة في هرم الحكم، لكن أيّ «تغيير من الداخل» مرشَّح لأن يكونَ تغييراً صورياً، يحقّق مطامح بعض أقطاب المعارضة في «الاستيزار»، وينسى محمد البوعزيزي وغيرَه من الضحايا، ممّن لم يموتوا لتبعث الديكتاتورية «ديموقراطياً» من جديد.