غادر الرئيس التونسي بلاده. أمّا الانتفاضة الجزائرية، فخفتت بعد أيام من اندلاعها، ولم تستطع المحافظة على الزخم الذي حرّك التظاهرات في جارتها

تشترك الانتفاضتان الشعبيّتان في الجزائر وتونس في أشكالهما: مجابهاتٌ عنيفة مع قوّات الأمن وهجماتٌ على الإدارات العمومية، التي يراها الشباب الغاضب رموزَ دولة، بعيدة كلّ البعد عن أن تكون «في خدمة الشعب». تشتركان أيضاً في أنّ ما أشعل فتيلَهما هو أزمةٌ اقتصادية واجتماعية خانقةٌ، ضحيتُها الرئيسية الفئاتُ الشبابية، غير المندمجة في النظام الإنتاجي. كما أنّهما، في الوقت ذاته (عكس ما تزعم الحكومتان الجزائرية والتونسية) ثورتان من أجل العدالة والكرامة، لا فقط من أجل «الخبز والزيت» (الجزائر) أو «الحق في الشغل» (تونس). ما أوجهُ الاختلاف بينهما إذاً؟
وجهُ الاختلاف الأول هو طول نَفَس التحرّك الشعبي التونسي، الذي لا يزال مستمراً، رغم القمع، وقِصَر عمر نظيره الجزائري، الذي خمدت ناره بسرعة فائقة، ما قد يفسّر هذا التباينَ أمران. الأوّل افتقارُ الاحتجاجات الشبابية في الجزائر إلى أدنى درجات التنظيم، بسبب ضعف التفاف القوى السياسية حولها، وعدم مساندة أكبر النقابات الوطنية، الاتحاد العام للعمال، لمطالبها. ذلك على عكس الاحتجاجات التونسية، التي دعمتها المعارضةُ بكلّ أطيافها (اليسار، كحزب العمال الشيوعي التونسي، وإسلاميو حزب النهضة)، وتزاوجت بتحركات عمالية مهمّة (الإضرابات التي دعت إليها الاتحادات النقابية الإقليمية في صفاقس وبنزرت مثلاً). الأمرُ الثاني، هو أنّ الانفتاحَ الإعلامي النسبي، وبقيةً لا تكاد تُرى من انفتاح ديموقراطي، قاما بدور «ملطف» للكبت السياسي في الجزائر. ذلك ليس حالَ تونس، التي أشعل فيها انفجارُ سيدي بوزيد الاجتماعي فتيلَ انفجارات أخرى ضد التسلط البوليسي وانعدام الحريات.
وجه الاختلاف الثاني، هو التوزيع الجغرافي للاحتجاجات في البلدين. بدأت تحركاتُ الشبان الجزائريين من وهران، عاصمة الغرب، ومن مدينة الجزائر، قبل أن تمتدَّ إلى باقي البلاد. يُلاحَظ هنا أنّ ما تسمّيه الصحافة «الجزائرَ العميقة»، تلك التي رفعت لواء التحركات الاجتماعية طيلة سنوات (بدءاً من حركة «الربيع الأسود» بالمنطقة القبائلية، نيسان/ أبريل 2001) سلّمت مشعلَها إلى أحياء أكبر مدينتين جزائريتين، وخصوصاً الأحياء العاصمية، التي انطلقت منها في تشرين الاول/ أكتوبر 1988 ثورةٌ شعبيةٌ أنهت حكم الحزب الواحد (باب الوادي، بلكور، الحراش، الخ).
الأمرُ مختلف في تونس. فالصّداماتُ مع قوّات الأمن بدأت في سيدي بوزيد (الوسط) وانتشرت بسرعة إلى محافظات أخرى في ذات الناحية (سليانة، القيروان، مثلاً) وفي الغرب القريب (القصرين، قفصة، الخ)، قبل أن تعمّ أخيراً كل أرجاء القطر تقريباً. بعبارة أخرى، بدأت في مناطقَ محرومة، ينظر أهلها إلى النظام كعصابة جهوية تفضّل العاصمةَ والساحلَ (الذي ينحدر منه الرئيس بن علي)، على داخل البلاد «غير السياحي». لم تطُل هذه الصداماتُ في تونس والمدن البحرية (في محافظات سوسة وصفاقس، الخ) إلا ثلاثة أسابيع بعد اندلاعها في الوسط والغرب. طوالَ هذه الفترة، اتخذت الاحتجاجاتُ في الجهات الأقلّ حرماناً شكلَ تظاهرات طلابية وتجمعات تضامن مع أهالي سيدي بوزيد والقصرين وسليانة، وغيرها، نظّمها النقابيون والناشطون المعارضون.
ويذكّرُنا انطلاقُ التحرّكات الاجتماعية التونسية، في السّنوات الثلاث الأخيرة، من الجهات نفسها، بعمق الهوّة الاقتصادية بين أقاليم الداخل والجنوب، من جهة، والعاصمة والأقاليم الساحلية الشرقية، من جهة أخرى. كما تذكّر بعمق الهوة بين «تونسين» مختلفتين، إحداهما تحتكر جلّ الاستثمارات وفرص الشغل، والأخرى لا تكاد تنال شيئاً من نِعَم «المعجزة التونسية». في الجزائر، لا جدالَ في وجود فروق في مستوى التنمية بين المدن والأرياف، بين الشمال والجنوب، إلخ. لكنّ هذه الفروق احتجبت في وعي الجزائريين في ظلّ تناقضات صارخة غيرها: بين ركود المداخيل الحقيقية وثراء الدولة الفاحش، بين الاحتياجات الكبيرة في ميدان التشغيل وتبديد المال العامّ بسبب الفساد، أو بصرفه في مشاريع ضخمة تُكلَّف بها شركاتٌ أجنبية لأسباب انتخابية بحتة (سرعة تدشينها من طرف فخامة الرئيس). وزاد حدّةَ الوعي بهذه التناقضات، تبجُّحُ المسؤولين الجزائريين المستمر بارتفاع احتياطات الصرف (155 مليار دولار حالياً) وعوائد الصادرات (55،7 مليار دولار في 2010)، وكأنّ لحكمتهم الفضل فيه، لا لارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية. لم تكن انتفاضةُ سيدي بوزيد رعداً منعزلاً في سماء صافية، إذ سبقتها في كانون الثاني ــ حزيران (يناير ــ يونيو) 2008 انتفاضةُ الحوض المنجمي (قفصة، غرب البلاد)، وفي آب/ أغسطس 2010، تظاهراتُ بن قردان ردّاً على إجراءات حكومية استهدفت مراقبةَ المبادلات التجارية الحدودية مع ليبيا. لكن قبل كانون الثاني/ يناير 2008 وطيلة عشرين عاماً تقريباً، نجح النظام في حصر التحركات الاجتماعية في شقِّها النقابي. وصوَّر له استتبابُ السلم المدني (وتهاني صندوق النقد الدولي المتكررة له) أنّ التونسيين تخلوا عن كلّ حقوقهم ولم يعودوا يهتمون بغير «الحق في الأكل»، أكثرِها أهميّةً على رأي الرئيس الفرنسي السابق، جاك شيراك (تونس، كانون الأول/ ديسمبر 2003).
وكرَّست السلطة هذه الفترة الهادئةَ نسبياً، على الصعيد الاجتماعي، لتفكيك تنظيمات التيار الإسلامي (التسعينيات) ومكافحة الحركة الديموقراطية (سنوات 2000)، التي زادها انتعاشاً تراجعُ تأثير حركة النهضة الإسلامية تحت ضربات قمع نادر النظير. ولتبرير إغلاق باب الحريات (الذي كان شبه موارب في عهد بورقيبة)، لم تكن الصحافةُ الرسميّة وشبه الرسمية تتردّد في تحريك فزّاعة الإرهاب، ملمّحة إلى «حالة اللاأمن» في الجزائر. وحرم انخفاضُ التوتّر الأمني في هذا البلد المجاور (نزول آلاف المسلحين من الجبال في إطار قانوني الوئام المدني في 2000 والمصالحة الوطنية في 2004) الرئيس علي من إحدى وسائل دعايته «للنموذج التونسي». وبتوالي الاحتجاجات الاجتماعية الجزائرية، ابتداءً من 2001، تبيّن لكثير من التونسيين أنّ «ضرورات مكافحة الإرهاب» لم تمنع الحراك السياسي والاجتماعي في بلد «غير مستقر» كالجزائر، فأحرى بها ألا تمنعه في بلد «مستقر» كبلدهم.
وسمحت النضالاتُ الديموقراطية التي عرفتها تونس في العشريّة الأخيرة بالحفاظ على مستوى عال من التعبئة السياسية في ظروف قمع قاسية، وجمعت مئات المناضلين (وخصوصاً اليساريين) في جبهة «موحدة مناوئة للديكتاتورية». جبهة، اتّسعت لاحقاً لتشمل المدوّنين والصحافيين والفنانين، الخ.
لا وجود، للأسف، لجبهة كهذه في الجزائر، حيث لا يزال «الديموقراطيون» مفرَّقي الشمل بفعل خلافاتهم في سنوات التسعينيات حول طريقة تعامل الدولة مع الحركة الإسلامية الراديكالية (التصالح معها أو استئصالها).
وسمح عدمُ انقطاع تحرّكات أحزاب المعارضة التونسية ورابطة حقوق الإنسان وجمعيات أخرى (كلجان مناهضة التعذيب ونصرة سجناء الرأي) بالمحافظة على الاهتمام الدولي بالأوضاع في تونس. كما قامت هذه التحركات، بفضل انتشار أخبارها في الفضائيات والأنترنت، بدور «مصل حيوي» ضد إيديولوجية اليأس، التي كانت البروباغندا الرسمية تبثّها في أوساط المجتمع، مصوّرة الرضوخَ للدكتاتورية ثمناً للاستقرار. ثمرةُ هذه الجهود اكتساب المناضلين السياسيين والنقابيين والجمعويين شرعيةً، تتيح لهم اليوم أداءَ دور مركزي في التضامن مع الثائرين في مختلف نواحي البلاد وإسماع صوتهم في وسائل الإعلام.
نجح بن علي في تحجيم المعارضة، لكنّه فشل في خنقها. كذلك، أخفق في تجسيد حلم سلفه المجاهد الأكبر، الحبيب بورقيبة، بتحويل الاتحاد العام التونسي للشغل إلى «نقابة صفراء». فاحتفظ هذا التنظيمُ، على تواطؤ زعامته مع الحكومة، بهامش حرية يمكّنه من معارضتها أحياناً، كما بقي مجالَ نشاط رئيسي لليسار. لهذا، نرى أعضاءه يساندون الحركة الشعبية، لا بالاعتصامات والتجمعات فحسب (منها اثنان أمام مقرها العام بالعاصمة في 25 كانون الأول/ ديسمبر و7 كانون الثاني/ يناير الماضيين)، لكن أيضاً بنشر أخبارها في الفضائيات ووكالات الأنباء، التي تستقي أغلب معلوماتها من «مصادر نقابية».
صحيحٌ أنّ زعامةَ الاتحاد ساندت ترشيح بن علي للرئاسة في 2004 و2009، لكنَّ كثيراً من كوادرها وقيادات هيئاتها الوسيطة (النقابات القطاعية والإقليمية) شاركت في المعارك الديموقراطية للسنوات الأخيرة. راديكاليةُ هذه الكوادر، والضغوط التي تمارسها على قيادة النقابة، هي أحد تفسيرات ضمّ هذه القيادة صوتَها إلى صوت المعارضين المطالبين بوقف القمع وفتح باب الحريات (بيانا 4 و11 كانون الثاني/ يناير).
ليس للاتحاد العام للعمال الجزائريين هذا القدر من حرية المناورة. فتقاربُه المتزايد مع السلطة في سنوات الألفين، أفقده الاستقلاليّةَ النسبية، المكتسبة بعد الانفتاح السياسي في 1989، والتي لم تقضِ عليها كليّاً سنواتُ الحرب الأهلية الدامية. كما أفقده هذا التقارب، نقابيين كثيرين، أسّسوا تنظيمات حرة في قطاعاتهم أو التحقوا بها بعد إنشائها. لهذا السبب، لم تحظَ الاحتجاجات الشبابية الأخيرة منه بغير بيان، حمّل «المضاربين» مسؤوليةَ أزمة الأسعار، وهو بالضبط موقف حكومة أويحيى.