المشهد السياسي في تونس بعد ثورة الياسمين لا يبشّر بالهدوء. الحكومة الجديدة ـــ القديمة بدأت بالتصدع ما إن خرجت إلى النور، على وقع التظاهرات الاحتجاجية، التي يقودها اليساريون والإسلاميون الذين يرفضون الخروج من الشارع حتى اجتثاث أركان النظام السابق، في وقت يبدأ فيه المبعدون العودة إلى البلاد

لم يستطع طاقم الحكومة التونسية الجديدة أن يصمد أكثر من 24 ساعة، إذ قرر ثلاثة وزراء للاتحاد العام للشغل، إضافة الى آخر معارض، الانسحاب على وقع التظاهرات الشعبية التي لم تتوقف ولم تمرّر للحزب الحاكم محاولة الالتفاف على إنجازاتها.
وقال الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية في البلاد، محمد شندول، إن «الهيئة الإدارية للاتحاد اجتمعت اليوم (أمس) لمناقشة التطورات في أعقاب إعلان حكومة الوحدة الوطنية، وقررت بالإجماع سحب ممثليها فيها». وعزا قرار الانسحاب إلى «انعدام التوازن، وضمّها عدداً كبيراً من وزراء الحزب الحاكم في عهد بن علي»، أي «التجمع الدستوري الديموقراطي».
وأكد أن الاتحاد العام التونسي للشغل قرر أيضاً الانسحاب من الهيئات التشريعية في البلاد، أي البرلمان ومجلس المستشارين. وأكد مساعد الأمين العام لاتحاد الشغل، عبيد البريكي، أن القرار هو استجابة لمطالب الناس في الشوارع.
وكان رئيس الحكومة المكلف محمد الغنوشي قد أعلن تشكيلة حكومة وحدة انتقالية تتألف من 23 وزيراً، منهم ثلاثة ينتمون إلى الاتحاد العام للشغل، وهم: حسين الديماسي الذي أُسندت له وزارة التكوين المهني والتشغيل، عبد الجليل البدوي الذي سُمّي وزيراً لدى الوزير الأول وأنور بن قدور، الذي أُسندت إليه مهمة مساعد وزير النقل والتجهيز.
وانضمّ الأمين العام لحزب «التكتل من أجل العمل والحريات» مصطفى بن جعفر، الذي تولى حقيبة الصحة في حكومة الوحدة، الى الاتحاد العام للشغل. كذلك أكدت حركة «التجديد» (الحزب الشيوعي سابقاً) أنها دخلت الحكومة «تجنّباً للفراغ وحماية لثورة الشعب». وطالبت باستقالة جميع الوزراء الذين ينتمون إلى الحزب الحاكم وتجميد الممتلكات والحسابات المصرفية لهذا الحزب. وهددت بالانسحاب من الحكومة إذا لم تتحقق هذه المطالب بصفة عاجلة.
في المقابل، دافع رئيس الحكومة الانتقالية عن إبقاء وزراء الحزب الحاكم سابقاً، وقال إن الذين بقوا في الحكومة أيديهم نظيفة وعملوا من أجل حماية المصلحة الوطنية. وتعهد بأن تكون الانتخابات «حرة وشفافة تديرها لجنة مستقلة ومراقبون دوليون». وعما إذا كان بن علي سيحاكم، قال الغنوشي «لا أستطيع أن أقول ذلك. ففي السنوات الأولى، فعل أموراً جيدة كثيراً لتونس. ولكن، هناك تغيير مهم حصل وهذا بسبب الإثراء غير المشروع في محيطه». وأشار بالأخص إلى عائلة طرابلسي التي تنتمي إليها زوجة الرئيس، ليلى».
وفي محاولة لاحتواء الاحتجاجات، قدّم الرئيس التونسي بالإنابة فؤاد المبزع ورئيس الوزراء محمد الغنوشي استقالتهما من حزب التجمع الدستوري الديموقراطي، الحاكم سابقاً في تونس، الذي قرّر بدوره طرد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وستّة من أقرب معاونيه من صفوفه.
في هذه الأثناء، تظاهر آلاف الأشخاص في العديد من المدن التونسية داعين الى إبعاد المنتمين الى نظام بن علي من الحكومة الجديدة. وجابت شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة مسيرة، رفع خلالها المتظاهرون شعارات تنادي بإقصاء حزب التجمع الدستوري الديموقراطي. وتقدم القيادي الإسلامي الصادق شورو، الذي سُجن طويلاً في عهد بن علي، تظاهرة العاصمة. وقال إن «الحكومة الجديدة لا تمثل الشعب ويحب أن تسقط. لا للتجمع».
وقد تصدت الشرطة التونسية للمتظاهرين بالهراوات والغازات المسيلة للدموع. ودعت المتظاهرين الى التفرق بموجب حالة الطوارئ التي تمنع تجمع أكثر من 3 أشخاص في الطريق العام. فتفرّق المتظاهرون، قبل أن يعودوا في عدد أكبر فتدخلت الشرطة بعنف لتفريقهم مجدداً. وقال أحد المتظاهرين «نرفض هذه الحكومة المجرمة التي تريد سرقة ثورة شعبنا». وأحرق نحو خمسة آلاف شخص في صفاقس (جنوبي العاصمة)، ثاني أكبر المدن التونسية، مقرّ التجمع الدستوري الديموقراطي. كما شهدت سيدي بوزيد (وسط غرب)، مهد الاحتجاجات، تظاهرة ألفية ضدّ بن علي. كذلك فعل أبناء القصرين الذين خرجوا في تظاهرة شملت أكثر من 500 مواطن. وأعلنت الشرطة مقتل 3 جنود في أحداث العنف التي شهدتها محافظة بنزرت خلال الأيام الماضية.
وفي ملامح الانقسام في المشهد السياسي التونسي، اتّهم عضو المكتب السياسي لحركة «التجديد»، عادل الشاوش، الإسلاميين وأقصى اليسار في بلاده بالتآمر على أمن البلاد، ونفى أن يكون ممثلو المعارضة قد انسحبوا من حكومة الوحدة.
من جهة ثانية، أعلن وزير الخارجية، كمال مرجان، أن الحكومة ستنظر في القضايا الاقتصادية والقضايا الأخرى التي قادت إلى الاحتجاجات. ودعا الى عدم الخلط بين جهاز الأمن الرئاسي السابق وقوات الأمن الداخلي «التي تتعاون مع الجيش في حفظ الأمن». وأكد أنه «لا خلافات بين الجيش والشرطة في تونس».
وفي سياق عودة المنفيين، عاد رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية غير المعترف به قانونياً، منصف المرزوقي، إلى تونس بعد سنوات عدة من الإقامة في العاصمة الفرنسية باريس، فيما أعلن رئيس الوزراء أن راشد الغنوشي زعيم حزب «النهضة» الإسلامي المقيم في المنفى في لندن لن يتمكن من العودة الى البلاد «ما لم يصدر قانون عفو» يبطل حكم السجن مدى الحياة الصادر بحقه عام 1991.
(رويترز، يو بي آي، أ ف ب)




جنيف تدرس تجميد أصول بن علي وحاشيته

أعلن مكتب المدعي الاتحادي في سويسرا، أمس، أن جنيف بدأت تحقيقاً في ما يتعلق بأموال الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي وأسرته. وقالت المتحدثة باسم مكتب المدعي الاتحادي، فالبورجا بور، إن المكتب ينظر في شكويين تلقاهما «يوم 17 كانون الثاني في ما يتعلق بتجميد أصول تونسية ربما أودعتها في سويسرا أسرة بن علي أو مساعدوه المقربون». وذكرت وسائل إعلام سويسرية أن رابطة لتونسيين يقيمون في سويسرا تقدمت بإحدى الشكويين. وتسعى الرابطة إلى تجميد أصول، بما في ذلك مبنى في شارع رون في جنيف وطائرة «فالكون 9000» قيل إنها في مطار جنيف. ويقول مسؤولون سويسريون إنه في نهاية الأمر سيتعين على حكومة الوحدة الوطنية التونسية الجديدة أن تجري التحقيق الخاص بها وتطلب من سويسرا المساعدة القضائية. من جهة ثانية، قالت وزيرة الخارجية الفرنسية ميشال أليو ـــــ ماري إن باريس مثل دول أخرى لم تكن تتوقع الأحداث التي أدت إلى سقوط نظام بن علي. وأضافت: «فوجئنا جميعاً من سياسيين ودبلوماسيين وباحثين وصحافيين بثورة الياسمين».

■ حزب التجمع الدستوري الديموقراطي يطرد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي لاحتواء الاحتجاجات

■ عاد رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية غير المعترف به قانونياً، منصف المرزوقي، إلى تونس بعد سنوات من المنفى في باريس

■ عاد رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية غير المعترف به قانونياً، منصف المرزوقي، إلى تونس بعد سنوات من المنفى في باريس