تونس| قبل ستة أشهر من اليوم، لم يكن زائر العاصمة التونسية ليتوقع هذه النقلة النوعية في البلاد. كان القمع حديثاً سرّياً يتداوله اثنان أو أكثر بقليل، ويتسرّب عند لمح أي حركة طفيفة في محيط متحفّز للانقضاض على المعارضين. حديث طفيف في الداخل، على عكس واقع الخارج الذي كان يصدر البيان تلو الآخر للتنديد بسياسات الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي على مدى 24 عاماً.


قبل فترة قصيرة، ما كان أحد ليتخيّل أن هذه البلاد ستشهد واحدة من أعظم الثورات الشعبية العربية، على قلتها، وتغدو رمزاً يحتذى للمحيط العربي العام الناقم على رؤساء متربعين على عروشهم لعقود من الزمان. تونس أطلقت الشرارة ولا بد للباقي أن يلتحق، وهو ما بدأ فعلياً في مصر والجزائر واليمن والأردن، وغيرها سيأتي
تباعاً.
لكن، ماذا عن الداخل التونسي، وكيف أثرت الانتفاضة الشعبية، التي اصطلح على تسميتها «ثورة الياسمين»، عليه، وأيّ متغيّرات طرأت خلال الأيام القليلة اللاحقة لفرار زين العابدين بن علي؟
استشعار المتغيرات يبدأ من لحظة الدخول إلى مطار قرطاج الدولي، الذي يريد البعض إطلاق اسم الشهيد محمد البوعزيزي عليه. البداية من رجال الأمن المنتشرين لختم جوازات المسافرين. شتّان بين الاستقبال اليوم، وما كان عليه قبل ستة أشهر من الآن. في ذلك الوقت، كان خاتم الجوازات هو رجل الاستخبارات الأول الذي تلقاه وجهاً لوجه في تونس، إذ إن الاستخبار عن الزائر يبدأ من لحظة تقديم الطلب ولا ينتهي إلا مع المغادرة. قد لا تحظى بفرصة للقاء متتبّعيك، لكنك تعلم بطرق مختلفة أنهم يعلمون بوجودك ويسعون إلى إعلامك بذلك. قد يكون اللقاء الوحيد مع رجل الاستخبارات هو عند ختم الجواز، حيث يبدأ، بكثير من الجفاء، سيل من الأسئلة عن طبيعة الزيارة والغاية منها، وبمن تنوي اللقاء وأين ستقيم؟ وما إلى ذلك من أسئلة أساساً ليست من صلب عمل رجل الأمن هذا.
هذا كان قبل ستة أشهر. مع الدخول اليوم إلى تونس تضع نفسك في تصور تبدّل طفيف في معايير الاستقبال، ولا سيما أن الفترة الانتقالية لا تزال في بدايتها، ورجالات الحكم السابق لا يزالون متربّعين على عرش معظم الوزارات. لكن هذا التصور يصطدم بواقع واستقبال مغايرين. إضافة إلى البشاشة اللافتة، قد تكون الشكوى هي أبرز العناصر المفاجئة في المشهد الجديد. شكوى مشوبة بفرح وقلق في آن. هذه المرة أنت تبادر إلى استجواب رجل الأمن عن أوضاع البلاد وإحساسه بالمتغيرات القائمة حوله. الإجابة غير حاسمة: «سعداء لسقوط الديكتاتور، لكن خائفون لأن البلاد ذاهبة باتجاه الحائط».
الخوف من التغيير واضح عند رجل الأمن هذا، وغيره من التونسيين، الذين لا ينظرون بعين الرضى إلى بعض الأحداث التي رافقت الانتفاضة الشعبية، والتي لا يزال بعضها قائماً حتى اليوم، ولا سيما عمليات النهب، التي وإن خفّت وتيرتها، لكنها لم تنته بعد.
تحاول شرح هذا للرجل، على اعتبار أن من طبيعة الفترات الانتقالية أن تحوي بعض الشوائب، التي لا بد أن تزول مع الوقت. يوافق على مضض، متأملاً، من دون قناعة، بخير في المستقبل القريب للبلاد.
تغادر الرجل مزهوّاً بلمس الملمح الأول للتغيير في البلاد، لتفاجأ، في المطار أيضاً، بمشهد آخر غير معهود، لا في تونس ولا في غيرها. المشهد يبدأ لحظة التفتيش الأخير قبل الدخول إلى السوق الحرّة وتسلّم الحقائب. حال هرج ومرج واضحة عند رجال الأمن في هذه النقطة. لا تفهم بدايةً السبب، لكن مشهد إحدى العناصر تركض وتقول «قادمون إلى هنا»، ينقل بصرك إلى السوق الحرّة، حيث تجمّع نحو عشرة شبان يحملون العلم التونسي ويهتفون «بدنا أهلنا يطلعوا». يحاولون اقتحام مدخل أمن الجوازات، لكن إقفال الباب يحول دون ذلك. السؤال عن الوضع يجيبك عنه أحد الأمنيين بالقول إن المشهد بات شبه اعتيادي، مع بدء عودة المنفيّين وتأخّر إخراجهم من قاعة المطار لأسباب بيروقراطية، يثير أنصارهم المنتظرون في الخارج، الذين حاولوا أكثر من مرة الدخول لإخراجهم.
«التظاهرة المصغّرة» لا تطول كثيراً، فسرعان ما ينتهي الاحتجاج مع خروج الرجل المطلوب، على وقع هتافات «الله أكبر». إذ تبيّن أنه أحد قادة الحركة الإسلامية الذين أبعدوا عن البلاد في فترة حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. المشهد يتكلل بتصريحات أمام عدسة كاميرا واحدة، وهتافات الشبان «الشعب يريد... إسقاط الحكومة».
المشهد ما عاد يثير العاملين في المطار، الذين ربما اعتادوا على تكرار مثل هذه الاستقبالات. يتابعون الأمر بابتسامة خفيفة تنمّ عن فرح وقلق في آن، وهو ما يشير إليه سائق إحدى سيارات الأجرة المتجمّعة في المطار. السائق يرى ربما بوضوح أكبر من رجل الأمن. يقول «الوضع لن يطول على هذه الحال، لا بد من التوصّل إلى اتفاق لإنهاء الاحتجاجات وترتيب أوضاع البلاد».
الكلام في السياسة هو أيضاً دليل جديد على حال التغيير التي تعصف بالبلاد. التظاهرات ومواقف السياسيين، الذين ظهروا على ساحة العمل العام حالياً، هي مادة الأحاديث التي تسمعها على نحو سريع أثناء العبور في قاعات المطار، لتذكر كيف كان الحديث في السابق يتم سرّاً وعلى نطاق ضيّق.
التغيير لا يزال في بدايته، ومشاهده أيضاً. فالتنقل داخل العاصمة التونسيّة لا بد سيحمل ملامح تبدلات كثيرة، أقلّها غياب صورة زين العابدين بن علي، التي كانت قبل أشهر قليلة منتشرة على نطاق واسع في الشوارع والأزقة، مطرّزة باللون البنفسجي، الذي يرمز إلى التجمع الدستوي الحاكم سابقاً، فيما يحتل قوس قزح متعدد الألوان اليوم الشارع التونسي.