منذ الصباح الباكر، كان مطار قرطاج الدولي أمس مقصداً لآلاف التونسيين، المنتمين أو المتعاطفين مع حركة «النهضة» الإسلامية، لاستقبال مرشدها الروحي راشد الغنوشي (69 عاماً)، العائد من منفاه اللندني بعد 22 وعاماً قضاها هناك. وقبل ساعتين من وصول طائرة الغنوشي، كان واضحاً أن الاستقبال لن يعود عادياً. فجماعات المواطنين كانت قد بدأت بالتقاطر باكراً إلى قاعات الوصول والمغادرة في المطار


، التي غصت بما يناهز ألفي شخص، فضلاً عمّن لم يستطيعوا الدخول وتحلّقوا في الباحات الخارجية.
الرايات والشعارات الإسلامية، إضافة إلى الأعلام التونسية طغت على المشهد. «الشيخ قادم من المنفى»، عبارة تتردد على لسان منتظري راشد الغنوشي، وكلّ يمنّي النفس بتغيير جذري مع وصوله. العضو في حركة النهضة محمد علي الحريزي أول ما يريد الحديث به هو الرد على الذين يخوّفون من الحركة الإسلامية، ويستشهد بما قاله راشد الغنوشي نفسه قبل فترة، حين أكد أن الحركة لا تهدف إلى «دولة إسلامية». لكنه يستطرد أن «الناس هنا يكرهون الإسلام لأنهم لا يفهمونه»، في إشارة إلى الذين يتشككون في نيات الحركة. ويتابع: «النظام البائد على مدى خمسين عاماً، سعى إلى تكريه الناس في الإسلام، وكل ما نريده نحن حالياً هو منابر للدعوة إلى الله لكي نُفهم الشعب الإسلام الحقيقي».
وزاد الحريزي في المطالبة، مشيراً إلى أن ما تريده الحركة هو «حرية المسجد، وحرية الحجاب، وحرية إطلاق اللحى». أما عن الأهداف السياسية، فيقول: «أعطونا الحرية ولندع الناس يختارون». ويرى أن عودة الغنوشي بالنسبة إلى الحركة الإسلامية تمثل «عودة الدم إلى العروق»، وبها ستبدأ «النهضة» تدريجاً العمل العلني و«النشاط في المساجد والدعوة إلى الله».
مشهد التنظيم في المطار لا يوحي بأن الحركة هذه كانت محظورة وخرجت فجأة إلى العلن، بل ربما أشار إلى عمل سري دؤوب كانت تقوم به على مدار السنوات الماضية. فالقدرة على ضبط الجماهير كانت عنصراً لافتاً في حدث الاستقبال، الذي ضم أجيالاً مختلفة من «النهضويين»، شيوخاً وشباناً وفتيات، يرى بعضهم، مثل أنس ونافع، أن «الخلاص هو بالإسلاميين».
الحدث أيضاً كان فرصة للقاءات بعد طول انقطاع، فرضها السجن والقمع والتشرذم، على غرار كمال الفهم ورضا الجمازي، اللذين كان مشهد عناقهما وبكائهما في المطار محل متابعة من كثيرين. العناق ليس بسبب منفى خارجي، بل منفى داخلي، فهما لم يلتقيا منذ عشرين عاماً، وعودة راشد الغنوشي كانت فرصة للمّ شملهما، «كما سيلمّ الشيخ شمل النهضة»، مثلما يقول كمال.
فتحي نصري هو من القياديين «النهضويين» الذين كانوا في المنفى. عاد قبل يومين ليشارك في عملية تنظيم البيت الداخلي، الذي ينتظر بدوره راشد الغنوشي. أيضاً نصري يحاول طرد المخاوف من الإسلاميين، ليؤكد أن «هدف الحركة هو المشاركة في العملية السياسية، لا الهيمنة». ويضيف: «نحن عربة في قاطرة التغيير ولسنا القطار برمته».
ويشير نصري إلى أن «الوضع في البلاد لا يحتمل هيمنة طرف سياسي واحد، والساحة تحتمل مشاركة الجميع». ويؤكد قدرة «النهضة» على التعايش مع الآخرين، سواء كانوا شيوعيين أو تقدميين أو عروبيين. ويزيد أن الحركة في فكرها منذ تأسست في عام 1981 كانت قائمة على التعايش والدعوة إلى قبول الآخر، لكن المشكلة أن الآخر لم يقبل بنا طرفاً سياسياً. ويشير إلى بعض الشبه اليوم بمن «يرفع فزّاعة الإسلاميين»، ويخصّ بالذكر «بعض الإعلام المشبوه».
الساعة تقترب من الثانية عشرة والنصف، موعد وصول راشد الغنوشي. الحركة في المطار تزداد سرعة باتجاه بوابة خروج الركاب، ومكبرات الصوت تظهر لتنظيم الهتاف و«الاستقبال الحضاري» لـ«الشيخ». ومع إعلان وصوله، يضج المطار بأهازيج الحج «الله أكبر، لا إله إلا الله». وتعلو الزغاريد والهتافات مع خروج الغنوشي إلى الجماهير التي تستقبله داخل المطار وخارجه.
كلمة الغنوشي الأولى على أرض الوطن لم تتضمن الكثير من السياسة، بل اكتفت بعبارات تأثّر بالمشهد الاستقبالي. لكن كان لمرشد «النهضة» مواقف سياسية قبل خروجه من لندن، حيث أعرب عن فرحته بالعودة إلى «بيته والعالم العربي». وعن نياته السياسية، قال إنه «إذا نظمت انتخابات حرة وعادلة فسيشارك فيها حزب النهضة. في الانتخابات التشريعية، لا في الانتخابات الرئاسية». وفي ما يتعلّق بالوضع في تونس بعد سقوط بن علي، قال إن «الوضع لا يزال ملتبساً. الحكومة الانتقالية تغير الوزراء كل يوم. الوضع ليس مستقراً، وسلطاتها لم تحدد بوضوح. لا نعرف بوضوح كم من الوقت ستبقى».
الغنوشي كان في ذهنه أيضاً المخاوف المنتشرة في تونس من الإسلاميين، وتوقّع تظاهرات مناهضة له، لكنه عدّها «مخاوف نابعة من الجهل». وتابع إن النظام التونسي السابق حاول «تشويه صورة كل معارضيه ووصفهم بالإرهابيين». وأكد أن «الشريعة لا مكان لها في تونس».
رسالة أولى بثها الغنوشي من لندن، كانت قد سبقتها رسالة ليل السبت الماضي وجهها إلى التونسيين أكد فيها أنه «لن أترشح لأي انتخابات رئاسية أو برلمانية، ولا أسعى إلى أي منصب». وأضاف: «كل ما أريده هو أن أستنشق هواء بلدي الذي حرمت إياه لأكثر من 20 سنة وأن أصلي في جامع الزيتونة العريق، وأسلم على كل ذرة تراب في وطني الحبيب من بنزرت إلى تطاوين، مروراً بمسقط رأسي الحامة. باختصار، أن أكون مواطناً تونسياً عادياًً».
لكن مشهد الاستقبال يؤكد أن الرجل لن يكون «مواطناً عادياً». مشهد عمد الكثير إلى مقارنته باستقبال بعض المعارضين السابقين الذين عادوا من المنفى، وفي مقدمتهم رئيس حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» المنصف المرزوقي. وتشير مصادر إلى أن الغنوشي كان أذكى في تأخيره العودة إلى حين ترتيب مثل هذا الاستقبال لإحداث «دوي العودة». دوي جعل أحد الأشخاص في المطار يقول: «انظر كيف خرج الزين (زين العابدين بن علي) وكيف دخل الشيخ راشد».

«تذكّر أن العلمانية حمتك»



في مشهد قد يختصر المخاوف التي تعتري تونس من صدام إسلامي علماني في المرحلة المقبلة، كان مطار تونس مسرحاً لتظاهرة مضادة لاستقبال راشد الغنوشي، تذكّره بأن الدولة علمانية

لم يكن مطار تونس الدولي أمس مسرحاً لعرض القوة الإسلامية فقط، بل كانت هناك أصوات أخرى اختارت موعد عودة زعيم حركة النهضة الاسلامية راشد الغنوشي لإيصال رسالة مضادة. مجموعة من الشبان، لا يزيد عددهم على عشرين، تمركزوا في إحدى زوايا المطار رافعين شعاراتهم التي ترحب ولا ترحب بعودة الغنوشي في الوقت نفسه.
«تحيا تونس حرّة ديموقراطية علمانية»، «راشد تذّكر أن علمانية لندن هي التي حمتك»، «الإسلام أرفع من أن يدنّس بالسياسة»، و«نعم للإسلام، لا لحكومة إسلاميّة». هذه عيّنة من الشعارات التي رفعها الشبان في مطار تونس للتعبير عن مخاوفهم مما ستؤول إليه الأمور مع تنظيم الإسلاميين لصفوفهم في البلاد.
ليليا سعود، وهي واحدة من المتجمعين في المطار، تؤكّد أنهم لم يأتوا نيابة عن حزب أو تنظيم، وتقول: «نحن هنا لتمثيل الشباب، وللتعبير عن مخاوفنا من إمكان أن يستخدم الدين للتأثير على الشعب». وتضيف: «لسنا ضد الإسلام، لكننا ضد استعمال الوازع الديني للضغط».
ليليا لا تصدّق ما يقوله الغنوشي من أنه لا يريد الترشح للرئاسة أو إقامة حكومة إسلامية، وتقول: «يمكن أن يغيّر رأيه، ويقول إن الناس هم الذين يريدونني. فكلامه ليس منزلاً». وترى أن «الديكتاتورية والظلم هي من صفات الحكم الإسلامي على مدى التاريخ، كما كانت حال سيطرة الكنيسة في أوروبا». يتدخّل جاد الواقف إلى جانبها ليؤكد أنهم يمثلون شريحة واسعة من الشباب. ويقول: «نحن هنا لإيصال رسالة إلى التيار الإسلامي».
مشهد الشبان يثير حفيظة الإسلاميين الموجودين في المكان. ويقول أحد الموجودين «إنهم هنا لاستفزازنا». ويرى أنهم «يرفعون شعارات ضد السواد الأعظم من أبناء الشعب». ويتدخّل آخر ليعلن براءة الحركة الإسلامية مما يتهمونها، ويقول: «يلي بدو يسكر يسكر، ويلي بدو يتحجب يتحجب، نرفض الديكتاتورية بكل أشكالها، ولو مارسها مسلم». الإسلاميون لم يكتفوا بمراقبة التظاهرات المضادة، بل نظموا بدورهم تجمعات مضادة تتهم المحتجين ضد «النهضة» بأنهم من حزب «التجمع الدستوري الديموقراطي» الحاكم سابقاً. ولوهلة نسي المئات من هؤلاء سبب وجودهم في المطار، وتحوّلوا إلى معارضيهم بالهتاف «الشعب مسلم ولن يستسلم»، و«لا لا للاقصاء».
المواجهة بين المتظاهرين تتحول إلى مشادات، تغلب فيها «كثرة الإسلاميين، شجاعة العلمانيين»، الذين أخلوا الساحة في النهاية لاستكمال الاستقبال، لكن على وقع هتاف «لا شرعية ولا رجعية تونس تونس علمانيّة».

كرّ وفرّ في الحبيب بورقيبة



لم يحُل فضّ الاعتصام أمام ساحة الحكومة في منطقة القصبة دون مواصلة الاحتجاجات. فمنذ مساء يوم الجمعة الماضي، انتقل العديد من المعتصمين أمام مقر الحكومة في القصبة إلى التمركز في شارع الحبيب بورقيبة، الذي بات مسرحاً جديداً للاعتصام، لكن من دون مشاهد الخيم واللافتات التي كانت منتشرة في القصبة. شارع الحبيب بورقيبة أصبح مسرحاً للكر والفر بين المتظاهرين وقوات الأمن. وفي ما يشبه المسلسل، يتكرر يومياً مشهد التجمعات المتفرقة في الصباح، التي تزيد وتيرتها مع ساعات بعد الظهر، إلى أن تصل إلى ذروتها مع ساعات المساء. وحينها يبدأ مسلسل التفريق، حين يتحوّل الشارع إلى ساحة حرب بين المتظاهرين وقوات الأمن، التي تستعمل قنابل الغاز المسيل للدموع بكثافة لتفريق المحتجّين.
«معركة» تستمر قرابة ساعتين، على وقع تحليق مكثّف للمروحيات العسكرية، يتفرق بعدها المحتجون إلى أماكن مختلفة، ليعودوا إلى التجمع في اليوم التالي، وتكرار السيناريو الذي سبقه. ويشير أحد المراقبين السياسيين للوضع إلى أن هذه الاحتجاجات تعكس حال الانقسام القائم بشأن الوضع السياسي في البلاد. ويرى أنه ليس كل المتظاهرين ممن كانوا في ساحة القصبة هم من العاصمة، إذ إن العديد منهم عادوا إلى المناطق التي أتوا منها. ويضيف أن المتظاهرين اليوم يعبّرون عن حال الانقسام التي تعتري القيادة في «الاتحاد العام التونسي للشغل»، حيث إن تيارات في هذا الاتحاد غير راضية عن المشاركة في الحكومة الانتقالية، وتحرّك الشارع ضدها، إضافة إلى الأحزاب الرافضة للحكومة، وفي مقدمتها «جبهة 14 كانون الثاني»، التي تضم ثمانية تنظيمات يسارية وقومية يتصدّرها «حزب العمال الشيوعي»، إضافة إلى «رابطة اليسار العمالي» و«حركة الوحدويين الناصريين» و«حركة الوطنيين الديموقراطيين» و«الوطنيون الديموقراطيون» و«التيار البعثي» و«اليساريون المستقلون» و«حزب العمل الوطني الديموقراطي».
أما حركة «النهضة» الإسلامية، فلا تزال محجمة عن تحديد موقف محدد من الأوضاع على الأرض، رغم أنها تدأب على التنديد بالإقصاء. إقصاء تقصد به استبعادها عن المفاوضات بشأن الحكومة الحالية. وبحسب القيادي في الحركة فتحي نصري، فإن رئيس الحكومة محمد الغنوشي امتنع عن فتح حوار مباشر مع الحركة، وسعى إلى التوسط عبر وسطاء، وهو ما لم تقبل به الحركة. وقال «نحن رقم صعب ولا نقبل التفاوض معنا عبر وسيط». ومع عودة راشد الغنوشي أمس، من المرتقب أن تحسم حركة «النهضة» الإسلامية موقفها، إما بالانضمام رسميّاً إلى ضغط الشارع، وإما بفتح باب التفاوض مباشرة للدخول إلى الحكومة.