صنعاء| ظهر الرئيس اليمني علي عبد الله صالح محظوظاً وهو يرى سقوط زميلين له، وصلا بعده إلى كرسي الحكم، وأقاما في نادي الرؤساء العرب الأكثر ديمومة في السلطة. وتلقى درسين مهمّين في عدم الاستهانة أو التقليل من قدرة الجماهير على التغيير، مدركاً في الوقت نفسه خطورة الركون لخطاب بدأ الإعلام الرسمي في تعميمه بعد انتفاضة الشعب التونسي، على غرار أن «اليمن ليس تونس»، والتشديد على «الخصوصية اليمنية»، أو التهديد بـ«الصوملة»


، وهو مصطلح أدمن صالح استخدامه والتلويح به في كل أزمة يمر بها مع المعارضة، معيداً التذكير باحتمال تشظي اليمن في حال تركه السلطة.
الرسالة التونسية التي طرقت أبواب القصر الرئاسي الذي يسكنه صالح منذ 33 عاماً، لقيت صداها، فبرزت أصوات تطالبه بالرحيل. حدث ذلك مع تحرك طلابي أطلق على نفسه اسم «الثورة الطلابية في جامعة صنعاء». الحركة بدأت عفوية ثم تطورت إلى إصدار بيان حددت فيه مطالبها، وعلى رأسها الوقوف «في وجه الديكتاتور علي عبد الله صالح ولن تنتهي هذه الثورة إلا برحيله وأعوانه». هذا المطلب، انعكس أيضاً على هيئة شعارات تُردَّد أثناء المسيرات، الأمر الذي استفز رجال الأمن الذين لم يعتادوا سماع مثل شعارات كهذه ذهبت بعيداً في اختراق سقف المسموح به، ما دفعهم إلى إطلاق الرصاص الحي بغرض تفريق المسيرات السلمية. كان واضحاً أن السلطة، وعلى رأسها الرئيس صالح، أدركت أن احتجاجات هذه المرة تختلف تماماً عن سواها وتتصاعد وتيرة شغلها وتنسيقها على نحو قياسي غير مسبوق، وفوق ذلك رفعها لشعارات لم تكن واردة في قاموس مختلف الحركات الاحتجاجية السابقة كالحراك الجنوبي والتمرد الحوثي في الشمال، حيث استقرت الشعارات والمطالب في جغرافيا بعيدة عن شخص الرئيس. هذه المرة وصل الأمر إلى رأس صالح نفسه.
رد فعل السلطة الأول تجاه ما يحدث أمامها، بعدما عجزت عن وضعه تحت السيطرة، هو الرجوع التقليدي لخزانتها المليئة بالتهم الجاهزة بحق «أحزاب اللقاء المشترك التي تريد زعزعة الأمن والاستقرار في الوطن»، مع علمها الأكيد أن هذه الحركة طلابية بحتة، وخرجت في أول الأمر عفوية وتحولت للتنظيم مع الوقت، وانضم إليها طلبة جدد. لكن ظهر أن السلطة استغلت دخول الناشطة الحقوقية المنتمية إلى حزب الإصلاح توكل كرمان على خط الحركة الطلابية لتعلن اتهامها لأحزاب المعارضة، رغم إعلان رئيس اتحاد طلاب اليمن في الجامعة في تصريح له أن توكل كرمان «ركبت الموجه الاحتجاجية لطلاب الجامعة»، مؤكداً في بيان نشره موقع «نيوز يمن» الإخباري أن «طلاب جامعة صنعاء لا يريدون أوصياء، ويرفضون ابتزاز أي جهة عليهم». كذلك أكد رئيس القطاع الطلابي للحزب الاشتراكي في الجامعة وجود رابط بين الطلبة والحزب بهذه الحركة. وقال هاني الجنيد، لـ«الأخبار» إنه «لا علاقة للحزب بهذه الحركة الاحتجاجية السلمية، وإنها طلابية بحتة خرجت من تلقاء نفسها».
الرئيس وحده كان يعلم أنه لا طائل من كل هذا الحاصل، حيث يعلم جيداً أن هذه الأحزاب لم تجرؤ مرة على رفع مثل تلك الشعارات غير المسبوقة، التي تمسه شخصياً، فملعبها الكلامي يدور دائماً حول شعارات مطاطة تنادي بعموميات مثل الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد والعدالة الاجتماعية، لكنها لم تقترب من منطقته مطلقاً.
لذلك، كان أسبوع واحد من الاحتجاجات الطلابية كافياً ليصعد صالح إلى المنبر، مستغلاً إحدى الفاعليات الخاصة بالجيش، ليعلن جملة من المهدئات كقوله بزيادة في رواتب المنتسبين إلى الجيش والقطاع الوظيفي في الدولة، وقبل هذا أكد جمهورية النظام قائلاً: «نحن جمهورية، أنا ضد التوريث».
وكان لافتاً إعلانه أن نية «تأبيد الرئاسة» لم تكن من ضمن رغباته مطلقاً، لكنها مقترح مقدم من أعضاء حزبه، مؤكداً عدم موافقته عليه. تصريحه هذا أعاد إلى الأذهان صورة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين وهو يقول في خطابه الأخير أنه لم يعلن قط نيته الترشّح لانتخابات 2014 الرئاسية وأنه يشكر من تبرع من حزبه لإعلان ذلك.
أحزاب اللقاء المشترك التقطت نبرة الضعف الواضحة في خطاب صالح، وأعلنت تنظيمها لمهرجانات احتجاجية يوم الخميس الفائت أثبتت فيها قدرتها على حشد الشارع، في مقابل حشد هزيل ظهر في الجهة الثانية عبر مهرجان دعا إليه حزب المؤتمر الحاكم. لكن مع ذلك ظهرت مراوحة المشترك في دائرة العموميات نفسها عبر شعارات مثل «يا مشترك سير سير، قد حان وقت التغيير»، مفسحاً الطريق لشعارات الحركة الطلابية كي تحدث ما ينبغي في رأس الحاكم الذي أتاه الرعب ثانية في صورة العدد الضخم الذي نجحت أحزاب المشترك في حشده . وهي الصورة نفسها التي شاهدها في حجم خروج الجماهير المصرية في 25 كانون الثاني، مع الفارق بين الحالتين.
كل هذا كان كافياً لإعادة التذكير بالرسالة التونسية التي لا تزال طازجة ولم يجف حبرها بعد.
هو وقت التنازلات إذاً. إعلان صالح صراحة إعادة النظر في نية الذهاب منفرداً في انتخابات لن ينافسه فيها غير صورته وتقع على مرمى ثلاثة أشهر من الآن، كما والعودة إلى الحوار مجدداً كمخرج وحيد من الاختناقات التي يعيشها. فجاءت دعوته، مساء الجمعة، إلى اجتماع طارئ للأمانة العامة لحزبه المؤتمر الشعبي بهدف إعطاء الشكل الرسمي لما صدر من قرارات قد صاغها في عقله وأعاد تدويرها. قرارات أكدت «حرص المؤتمر الشعبي العام وتمسكه بالحوار وسيلةً مثلى لمعالجة كل القضايا التي تهم الوطن»، مع تأكيد ضرورة «التوقف عن التظاهرات والمسيرات التي تؤجج الشارع»، وذلك «لتجنيب اليمن الانزلاق نحو أتون الفتنة والصراع». إلا أن المشترك ظهر غير مكترث لما جاء في دعوة المؤتمر الوطني للعودة إلى الحوار. وبعدما أكد المتحدث باسم المشترك محمد الصبري، أنهم لم يتسلموا دعوة رسمية للعودة للحوار، شدد على «استمرار النضال السلمي».



حكمة الثورة الرسمية

جريدة» الثورة» الرسمية لها وجهة نظر وردية في ما يجري على الساحة المحلية. تغنت افتتاحيتها ليوم أول من أمس بـ«الحكمة اليمانية»، التي تمثلت في «الصورة الحضارية التي رسمتها الجماهير اليمنية، سواء المنتمية إلى المؤتمر، أو إلى أحزاب المعارضة، في التظاهرات... التي عبّر فيها الجميع عن آرائهم ومواقفهم على نحو حضاري». ولم تغفل الافتتاحية ذاتها التي من المعروف أنها تعبّر عن رؤية شخصية للرئيس صالح، أن تؤكد حقيقة كون حاصل التظاهرات هو «الإضرار بالوطن وأمنه واستقراره وسلمه الاجتماعي».
إلى ذلك، فإن خطاب المعارضة اليمنية واصل دعوة صالح إلى الاتعاظ بما حدث في تونس، وحذره من غضب شعبي قد ينفجر في أي لحظة لاستعادة الحقوق والحفاظ على وحدة البلاد. ورأى إعلام المعارضة أن ثورة الشعب التونسي ستمثّل نقطة فاصلة في تاريخ العالم العربي، وستعطي أملاً للشعوب بأن من سمتهم «المستبدين والطغاة»، هم أضعف من أن يستمروا في قهر الأمة ويستلبوا ثرواتها ويحكموها بالحديد والنار، و«أن التغيير في اليمن قادم لا محالة وما جرى في تونس يعزز مسار هذا التغيير». وحضت صالح على اتباع سبيل «العقل».