واصلت المحافل السياسية والأمنية والإعلامية في إسرائيل متابعة مجريات الأحداث في مصر عن كثب، في ظل مخاوف كبيرة من خروج الأمور عن السيطرة وتطوّرها إلى ما لا تُحمد عقباه، ولا سيما أن ما حصل حتى الآن هو مفاجأة غير سارّة للمستويين السياسي والاستخباري في إسرائيل. والتخوف الأساس في الدولة العبرية ينبع من آثار خطيرة للأحداث الأخيرة على الأمن في الحدود الإسرائيلية ـــ المصرية، مع التشديد على تهريب السلاح في الأنفاق الى قطاع غزة وتعزز «حماس»، وكذا الآثار على الأمن الإقليمي في شكل تدعيم الميول الإسلامية الجهادية. وثمة تخوّف آخر، ينبع من الآثار المحتملة على توريد الغاز المصري الى إسرائيل.


ومع ذلك، فإن معظم محافل التقدير في إسرائيل تعتقد، بحسب «معاريف»، بأن مبارك سينجح في تثبيت نظام حكمه وأن تعيين مدير الاستخبارات المصري عمر سليمان نائباً للرئيس وتثبيت رئيس الأركان سيؤدي الى خفض مستوى التظاهرات. وعلى الرغم من سعي المسؤولين السياسيين والأمنيين إلى النأي بأنفسهم، ظاهرياً فقط، عن مجريات الأحداث في مصر، إلا أن واقع الأمر يشي بخلاف ذلك. وتفيد تقارير إعلامية عديدة بأن المستويين السياسي والعسكري، أجريا جلسات عديدة لتقدير الوضع في مصر ومواكبة التطورات هناك. وعُقدت لهذه الغاية مشاورات أمنية في وزارة الدفاع، بمشاركة وزير الدفاع إيهود باراك ورئيس الأركان غابي أشكنازي. وفي وزارة الخارجية أيضاً، جرت مشاورات تقرر خلالها إعادة عائلات الدبلوماسيين الإسرائيليين من مصر الى إسرائيل. كما أجرى وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان تقويمات للوضع هاتفياً كل بضع ساعات، تحدث خلالها مع السفير في القاهرة ومع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
بدوره، عقد نتنياهو أول من أمس اجتماعاً لمستشاريه دعا إليه رئيس الموساد تمير باردو ورئيس الشاباك يوفال ديسكن، وبحث معهم التطورات المقلقة في مصر، وقرر تغيير جدول أعمال جلسة الحكومة الأسبوعية التي عُقدت أمس، والاهتمام، أساساً، بالتطورات في مصر.
وفي أول موقف رسمي يصدر عنه، قال نتنياهو في مستهل جلسة حكومته الأحد إنه تحدث خلال اليومين الماضيين مع عدد من المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين، وبينهم الرئيس باراك أوباما، مضيفاً إن هدف إسرائيل هو ضمان استمرار علاقات السلام مع مصر. وقال نتنياهو إن «السلام بين إسرائيل ومصر مستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهدفنا هو ضمان استمرار وجود هذه العلاقات». وأضاف «إننا نتابع بحالة من التأهب الأحداث في مصر والمنطقة، وفي نهاية الأسبوع الماضي تحدثت مع رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ووزير الدفاع إيهود باراك ووزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، وأيضاً مع رؤساء أجهزة الاستخبارات، وهذه الجهود غايتها الحفاظ على الاستقرار والأمن في منطقتنا». وتابع «من واجبنا التحلّي بالمسؤولية وضبط النفس. ولذلك أصدرت تعليمات لزملائي الوزراء بعدم التحدث عن الموضوع، ونحن نجري مشاورات مع الهيئات المناسبة».
بدوره، قال رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، شاؤول موفاز، إن أهم ما تخشاه إسرائيل هو إمكان أن تأتي هذه الاضطرابات بالإخوان المسلمين الى السلطة. وقال موفاز، لإذاعة الجيش الإسرائيلي، إنه مع التغييرات الجارية في لبنان والتي قوّت شوكة حزب الله، يمكن أن تمثل هذه التطورات «تحدياً استراتيجياً كبيراً» لإسرائيل.
وأكد الوزير السابق وعضو الكنيست من حزب العمل بنيامين بن اليعزر أن «مصر هي أهم دولة بالنسبة إلى إسرائيل، وأن أي نظام جديد سيتولى الحكم فيها، سيحترم معاهدة السلام الإسرائيلية ـــ المصرية، وذلك باستثناء حالة واحدة وهي تولّي الإخوان المسلمين الحكم».
وقال بن اليعزر، المقرّب من مبارك، لصحيفة «هآرتس»، إن «مصر هي الدولة الأهم بالنسبة إلى إسرائيل من كل النواحي والاعتبارات، وهي مركز وأساس الاستقرار في الشرق الأوسط». وأضاف إنه حزن لاحتمال تنحية مبارك ووصفه بأنه «أهم رجل لدينا في الشرق الأوسط»، وتابع إنه فوجئ من الانتفاضة الشعبية في مصر «وفوجئت من قوة الاحتجاجات وتواصلها، وشعوري هو أن هذا تطور مقلق للغاية». ورأى «وجود مشكلة في تأثير الانتفاضة في مصر على المنطقة، وإذا استمرت هناك عملية دومينو وجرت انقلابات أخرى، فإننا سنواجه وضعاً غير بسيط، وقد خشيت من هذا طوال الوقت عندما تحدثت عن واقع شرق أوسطي جديد».
ومن المؤكد أن المفاجأة لم تكن من نصيب بن أليعزر وحده، ذلك أن المسؤولين الأمنيين والسياسيين في إسرائيل لم يتوقعوا على الإطلاق الاضطرابات في مصر، وفق ما اعترفت به أوساط وزارة الدفاع ووزارة الخارجية، لصحيفة «معاريف». يُذكر أنه في الأسبوع الماضي فقط، عرض رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» الحديث العهد، اللواء أفيف كوخافي تقدير الوضع الاستخباري للعام الجاري. كوخافي لم يتوقع أحداثاً شاذة في مصر، ولا عدم الاستقرار السلطوي لمبارك.
واعترف مصدر أمني لـ«معاريف» بأن «التطورات في مصر جاءت بمفاجأة تامة»، وبأن هناك «حاجة الى مراجعة عميقة للأحداث التي من شأنها أن تؤثر على نحو متطرف على مفهوم الأمن الإسرائيلي». وبحسب مسؤولين رفيعي المستوى في إسرائيل، فإن «الموساد لم يتوقع شدة الانفجارات في مصر». وقال أحدهم إنهم «صاروا أسرى المفهوم بأن مصر ليست تونس، الكل قدّر بأن قوات الأمن المصرية ليست قوات الأمن التونسية، وأن النظام المصري يعرف ماذا سيفعل كي يوقف الاضطرابات. ما حصل في مصر الآن فاجأ إسرائيل».
إعلامياً، أجمعت الصحف الإسرائيلية على أن «الانتفاضة الشعبية في مصر خلقت شرق أوسط جديداً، فشلت الاستخبارات الإسرائيلية كغيرها في توقعه، وشددت على أنه ليس لدى إسرائيل ما تفعله باستثناء البدء في إعادة تنظيم جيشها لاحتمال نشوء جبهة جديدة ستكون أكبر جبهاتها». وعبّر المحللون السياسيون والعسكريون في هذه الصحف، عن القلق في إسرائيل من «دومينو» الانتفاضة الشعبية المصرية والتونسية إلى دول عربية أخرى، بينها الأردن وسوريا والسعودية واليمن. وانتقدوا بصورة مباشرة وغير مباشرة ما اعتبروه وقوف الولايات المتحدة ورئيسها باراك أوباما والدول الأوروبية إلى جانب الانتفاضة و«التخلي» عن الحلفاء في الأنظمة الآيلة إلى الانهيار وخصوصاً الرئيس المصري حسني مبارك.. وتوقف المحللون بقلق عند الضائقة الاستراتيجية لإسرائيل في الشرق الأوسط، ذلك أن من شأن ما يحدث في مصر أن يتركها وحدها من دون حلفاء، بعد انهيار الحلف الاستراتيجي مع تركيا. وذهب بعضهم إلى القول إنه في هذا الوضع قد يكون لنتنياهو مخرج واحد أو اثنين: أن يجلس فوراً مع الرئيس الفلسطيني ويعقد صفقة تكون مشابهة جداً لاقتراح إيهود أولمرت، أو يتخلّى عن الفلسطينيين ويعرض على دمشق صفقة حقيقية: نزول من الجولان في مقابل انقطاع عن إيران وعن حزب الله.