اسمها فاطمة. في اليوم الأول تَردّدت في النزول إلى الشارع. خيبات الماضي لم تشجعها. وكانت تخشى قنابل الشرطة التي «تعاملنا زي الكلاب». مر اليوم الأول، الثلاثاء فالأربعاء والخميس. لم تستطع النوم، أعلمت زوجها بنيتها المشاركة في اليوم التالي. جاء الجمعة. قبل شروق الشمس كانت تشق طريقها من منطقة البساتين في القاهرة صوب ميدان التحرير، تعانق أصابعها يد زوجها وتطير عالياً، فوق كل هواجسها. وهناك «في حضن شعبي» شعرت بأن مصر هي أم الدنيا فعلاً.


تعود إلى انتقاد النظام: نعيش منذ ثلاثين عاماً في ظل نظام فاسد. نظام عجّز الشباب والأطفال، وعنّس البنات. نظام أسكننا في «عشش» وحرمنا «العِيش».
تؤكد فاطمة الحرة أن «الشعب قام»، لا تنظيمات ولا أحزاب ولا مؤامرات داخلية أو دولية. هي ثورة، تقول مستذكرة الشيوخ والأطفال والرضع في يومها الطويل أمس. هي ثورة، تعيد مشيرة إلى الانتفاض على حكم الطوارئ والانعتاق من الحديد والنار. وقبل نقلها الهاتف إلى زميلتها، تعد بالاستمرار حتى النصر.
في طريقه من فاطمة إلى صديقتها أمينة، يمر الهاتف بشاب. هو أيضاً يود الكلام لـ«الأخبار» عن كيفية تشارك المتظاهرين الطعام: أمهاتنا يرسلن الطبخ إلينا والمطاعم تجتهد لسد جوعنا. هناك من يأتي حاملاً «شوال» برتقال وهناك من يحمل إلينا كراتين المياه المعدنية. في الميدان، يتابع الشاب، هناك اليوم فولكلور شعبي: غناء، جدية مرحة وعربات فول تطعم الناس.
والمجاعة؟ لا نخشاها، يردد متحدياً مبارك بأن يكون أول فرعون يموِّت شعبه جوعاً. اليوم، يختم خاطف الهاتف الخليوي كلامه، شعرت بأن «بلدي قوي، ومصر جميلة جداً».
أمينة عبد الرحمن خريجة كلية الإعلام، كانت تعمل في صحيفة «البديل» قبل أن يقفلها النظام المصري. رغم بلوغ حملها الشهر السادس، لم تجر الفحص بعد لتعلم إن كانت سترزق صبياً أو بنتاً، لكن شجاعتها في الميدان ينبئها أنها بنت. فالبنات في صورة مصر اليوم هن الأساس: يرفعن المعنويات، يحثثن الشباب على بذل مزيد من الجهد والبطولة ويرفعن الصبغة الإسلامية عن الشارع المصري. هي، أمينة، رغم حملها لم تغادر الشارع منذ يوم الجمعة. تريد «لعيالها عيشة محترمة».
تسأل أمينة نفسها إن كانت تحلم أم هو واقع ما تعيشه مصر اليوم. لم نجرؤ في السابق على أن نحلم بمصر مشابهة: وحده حسني مبارك يلتزم حظر التجوال الذي يفرضه على الشعب المصري.
يشي صوتها المبحوح بإكثارها الهتاف في اليومين الماضيين، تعترف بأنها أكثرت الصراخ: مش ح نمشي هو يمشي، مصر لولادها، حاكم دولة من غير شعب ويا طيار إجري بسرعة علمطار.
بعشق تتحدث عن أولئك الشباب الذين يحاول النظام تشويه صورتهم. هؤلاء يحموننا، تقول ويثبتون أنهم أوعى شباب في العالم.
أحد «رواد الوعي» هؤلاء يقول إنه ليس للإخوان أو الشيوعيين أو الأقباط أو أية جهة سياسية فضل على هذه الثورة. نحن لسنا «غاويين» جلوس في الشارع، يقول الصوت المجهول الهوية. معرفاً عن نفسه بأنه خريج تجارة إنكليزي (جامعة خاصة) يرفض «الإمساك بمقشّة لتنظيف الشوارع».
لكن من في الشوارع ليسوا فرقاء مصر فقط. يروي أحمد، طالب الهندسة في الجامعة الألمانية، أن عدد المنطلقين إلى التظاهرة من مدينة مصر التي تُعَدّ راقية دل على تعدد الانتماء الطبقي للمتظاهرين، فالغالبية الفقيرة لا تنفي وجود مجموعات كثيرة أخرى ترفع اليوم في الميادين عناوين أخرى غير تحسين مستوى المعيشة. مع العلم، يتابع أحمد، أن مختلف الطبقات الاجتماعية تتأثر سلباً بتردي الأوضاع المعيشية في أم الدنيا.
أما مصطفى فيقول إنه تردد كثيراً في النزول إلى الشارع، لكن حين رأى شعب مصر يوم الجمعة أحس بندم استثنائي: كيف يمكن مصرياً أن يضيع لحظة تاريخية كهذه، مراقباً إياها من بعيد. أمس، استيقظ مصطفى باكراً، أعلم أهله بنيته المشاركة بالتظاهرة وانطلق مع صديقه يجوب شوارع القاهرة. القاهرة المزدحمة كانت نظيفة بالأمس، أخذ يهتف «الشعب يريد إسقاط النظام». مشيا حتى وجدا شاباً محمولاً على أكتاف أصدقائه «معاه مايك» هو يهتف و«نحن نردد وراءه». هكذا يصنع شباب مصر ثورتهم.
يشرح أحد الشباب أن مختلف القوى السياسية التي تذيع البيانات هنا وهناك هي وهمية. يروي كيف كان مع نحو ألف مصلٍّ يتقدمهم محمد البرادعي يوم الجمعة الماضي في منطقة الجيزة، محاصرين في المسجد. لكن لم تكد الشرطة تبدأ برمي قنابل الغاز على المسجد، حتى وجد المحتشدون مئات الآلاف في مشهد سينمائي يأتون من جهة الهرم، فوق «الكبري» وتحته. زعزع صوتهم ثقة الأمن بنفسه ففتح الطريق للمحاصرين في الجامع. ويروي الشاب نفسه، كيف صار مبارك شريكاً قوياً للمتظاهرين الذين آثروا تأجيل إعلان العصيان المدنيّ ريثما يتهيأ المناخ العام أكثر، فإذا بمبارك يبادر بنفسه إلى تحقيق العصيان المدني من خلال إيقافه القطارات والاتصالات والمصارف وغيرها.
مصر أمس، اليوم وغداً سينما حيّة، يعجز شعبها عن تصديق ما تصنعه أياديهم. لن يبقى أحد في المنزل. يعجز المتظاهرون عن تحديد أجمل ما يصادفهم في يومياتهم الاستثنائية. صار الطفل المصري، ذلك الذي يواجه حرارة الليل القارسة بقليل من الثياب وكثير من الجوع أهم وأقوى من أكبر ضابط في الشرطة المصرية. الضباط الذين لن يجدوا بعد اليوم مصرية تتزوجهم، فإذا «تقدم لي أكبر باشا سأرفضه»، تختم فاطمة المكالمة مبتسمة.