لا تزال أصداء انتفاضة مصر وتونس تتردد في اليمن، بعدما تخلى الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، في غضون أيام قليلة عن لغة الوعيد والتهديد، التي اعتاد تبنّيها منذ سنوات تجاه معارضيه على اختلاف مشاربهم، وقرر تبني دور «الأب الروحي» لليمنيين، مؤكداً في الوقت نفسه تراجعه عن خيار تأبيد حكمه أو توريثه. وفي خطوة استباقية لـ«يوم الغضب» اليمني الذي دعت إليه أحزاب المعارضة اليوم، اختار صالح أمس جمع مجلسي النواب والشورى استثنائياً، معلناً تقديم تنازلات لم يكن يتوقع أكثر معارضيه تفاؤلاً أن يقدم عليها بهذه السرعة.


وبعد أسابيع من تحريضه نوابه في حزب المؤتمر الشعبي الحاكم، على طرح مشروع تعديلات دستورية بهدف تأبيد حكمه، سارع الرئيس اليمني الذي يتربع على كرسيه منذ 33 عاماً، بتأثير إطاحة «ثورة الكرامة» في تونس نظيره زين العابدين بن علي وانطلاق «ثورة النيل» في مصر، إلى محاولة تصحيح ما اقترفت يداه.
محاولة التدارك سببها تيقّن صالح بأن الأسباب التي دفعت الشعبين التونسي والمصري إلى الانتفاض متوافرة في اليمن، بدءاً من إحكام الرئيس اليمني يده على مقاليد الحكم ومنع التداول السلمي للسلطة، ومروراً بسيطرة عائلته على مختلف المؤسسات العسكرية والأمنية والرسمية وتحكمها بمفاصل الاقتصاد، وصولاً إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية التي يعانيها الشعب اليمني بسبب الفساد.
وبعدما وجد صالح نفسه خلال الأسابيع القليلة الماضية مضطراً إلى الإنصات جيداً إلى أصوات طلاب جامعة صنعاء، الذين تجاوزوا دعوات المعارضة المطالبة بالإصلاح، وخرجوا من تلقاء أنفسهم إلى الشوارع لمطالبته بالتنحي، قرر أن يبذل ما في وسعه لضمان إتمام فترة ولايته الرئاسية، المقرر أن تنتهي في عام 2013.
وتخلّى صالح عن تعديلات تسمح له بالترشح لولاية جديدة، مؤكداً رفضه القاطع لفكرة التمديد لشخصه أو لتجديد ولايته الحالية، أو الى توريث الحكم الى نجله أحمد الذي يقود الحرس الجمهوري.
تنازلات صالح ذهبت أبعد من ذلك، من خلال إعلانه التخلي عن إجراء الانتخابات التشريعية في نيسان المقبل، بعدما أكد مراراً خلال الأشهر الأخيرة أن لا تراجع عن قيام الانتخابات، ضارباً عرض الحائط بالحوار الذي كان قائماً بينه وبين المعارضة. كذلك رضخ صالح لمطلب المعارضة بالسماح بإدخال تعديلات على سجلات الناخبين، أمام من بلغوا السن القانونية.
وبعد سنوات من تغليب الرأي الواحد، خرج صالح أمس ليقول «بصفتي رئيساً للبلاد، لن أكون مصرّاً على العناد مهما كانت الظروف، وسأقدم التنازلات تلو التنازلات من أجل المصلحة الوطنية»، مؤكداً «سأقول لبّيك» لما يتم التوصل إليه عبر الحوار مع المعارضة»، وداعياً المعارضة البرلمانية المنضوية تحت لواء «اللقاء المشترك» الى استئناف الحوار وتأليف حكومة وحدة وطنية.
وفي محاولة «لسحب البساط من تحت أقدام دعاة الفدرالية»، تعهد صالح بـ«إجراء إصلاحات شاملة للحكم المحلي»، وبانتخاب المحافظين مباشرةً.
كذلك نأى صالح بنفسه عن ملاحقة أجهزته الأمنية عشوائياً للصحافيين، وأحكام السجن غير القانونية، التي تصدرها المحاكم العسكرية بحقهم، مصدراً أوامره للإفراج عن الصحافي عبد الإله حيدر شايع المتخصص في شؤون تنظيم «القاعدة»، بعد أيام معدودة من صدور حكم من محكمة أمن الدولة بسجنه خمس سنوات بتهمة الانتماء إلى هذا التنظيم، في أعقاب خطفه قبل ستة أشهر.
كذلك استبق صالح خطابه بالإعلان عن سلسلة من التدابير الاقتصادية والاجتماعية، في محاولة للتخفيف من وطأة الفقر التي يرزح تحتها معظم اليمنيين، من بينها إنشاء صندوق لتوظيف حملة الشهادات الجامعية، وتوسيع التغطية الاجتماعية لتشمل نصف مليون شخص وخفض ضريبة الدخل، مقرراً في الوقت نفسه إعفاء الطلاب الملتحقين بالجامعات الحكومية من دفع ما بقي من رسوم للعام الجاري، على أن تخفض الرسوم في وقت لاحق. في مقابل جميع هذه التنازلات، لم يطرح صالح سوى مطلب واحد، مناشداً المعارضة التي تنظّم منذ أيام تحركات شعبية مناوئة له، تجميد التظاهرات والامتناع عن الخروج إلى الشارع.
ورغم ترحيب المعارضة المبدئي بخطاب صالح، وإبدائها الاستعداد لدراسة دعوته المتأخرة إلى الحوار، إلا أنها مصممة على الخروج اليوم في «يوم الغضب».
وفيما رأى القيادي في المعارضة، أحمد صبري، أن الدعوة إلى وقف التظاهرات «غير مقبولة»، مبدياً خشيته من أن «الرأي العام الوطني قد حسم أمره بالنسبة إلى مطالبه، وأن الحوار لم يعد هو المطلب»، أكد المسؤول في حزب الإصلاح الإسلامي محمد قحطان أن «التظاهرة ستتم كما كان مقرراً بحسب جدول أعمال المعارضة». وعلى المقلب الآخر من العالم العربي، بدأ رئيس الوزراء الأردني المكلّف، معروف البخيت، حواراً يستمر يومين بشأن «النهج والسياسة العامة» لحكومته مع ممثلي مجلسي الأعيان والنواب والقيادات الحزبية، بما فيها حزب «جبهة العمل» الإسلامي. وقال مصدر مقرّب من البخيت إن الأخير «سيلتقي قادة الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني»، وخصوصاً حزب «جبهة العمل» الإسلامي، الذراع السياسية للإخوان المسلمين، وأبرز أحزاب المعارضة في المملكة، إضافة إلى أحزاب يسارية وأخرى مستقلة.
في المقابل، جدد الإسلاميون رفضهم تكليف البخيت. وفيما دخل قادة الحركة الإسلامية في اجتماعات مفتوحة منذ يوم أول من أمس، قال بيان لحزب جبهة العمل الإسلامي إن هذا الاختيار «لا يقود إلى الإصلاح المنشود»، مطالباً الرئيس المكلف بالاعتذار عن عدم تأليف الحكومة، وإفساح المجال لشخصية وطنية مقبولة تقود البلاد إلى الإصلاح.
(الأخبار)