غزة| ظلّت أنفاق التهريب الممتدة أسفل الحدود الفلسطينية ـــــ المصرية تمثّل «شريان الحياة» بالنسبة إلى قطاع غزة المحاصر منذ أربعة أعوام، مع فارق أنها باتت اليوم تمثّل الشريان نفسه لسكان سيناء، في ظل «شحّ» الخبز والمواد الغذائية منذ «تفجّر» الثورة المصرية والاضطرابات الشعبية قبل تسعة أيام.


التجار والعمال في أنفاق التهريب قالوا إنهم يعملون منذ أيام في تهريب الخبز والمواد الغذائية في «الاتجاه المعاكس» من قطاع غزة إلى مصر، بسبب النقص الحاد في هذه المواد، جرّاء توقّف الإمدادات من القاهرة إلى مدن جنوب سيناء منذ يوم الجمعة الماضي. هذه المواد كانت تهرّب من مصر إلى غزة حتى وقت قريب، في ظل حظر «إسرائيل» توريدها إلى القطاع المحاصر منذ سيطرة حركة «حماس» عليه في منتصف حزيران عام 2007. لكن أسواق غزة لم تعد تعاني نقصاً في غالبية المواد الغذائية منذ أن قررت «إسرائيل» مطلع حزيران الماضي إدخال تسهيلات على حركة المعابر التجارية، استجابة لضغوط دولية عقب مجزرة قافلة «أسطول الحرية»، التي كانت في طريقها لنقل مساعدات إلى القطاع في 31 أيار الماضي.
ويؤكّد أصحاب أنفاق التهريب أن نقل كميات من المواد الغذائية لمساعدة «الإخوة» المصريين في سيناء، لا يؤثر على سكان القطاع. وقال «أبو الليل»، وهو اسم مستعار لصاحب نفق، إن «هؤلاء الناس ساعدونا في أزمتنا خلال سنوات الحصار الصعبة، ويجب أن نساعدهم في هذه الأيام الصعبة التي يمرّون بها».
وتنتشر أسفل الحدود الفلسطينية ـــــ المصرية جنوب القطاع مئات أنفاق التهريب، أغلبها مدمر ومهجور إما بسبب الغارات الجوية «الإسرائيلية»، أو بفعل الحملات الأمنية المصرية المكثفة التي استهدفتها في العامين الماضيين، ولم يبق منها سوى عدد قليل يعمل ببطء.
وقال حسين الملقب بـ«الأمين»، وهو الاسم الذي يطلقه العاملون في التهريب على متعهد إمدادهم بالبضائع من الجانب المصري، إن سكان مدينتي العريش ورفح وباقي السكان في سيناء عانوا في الأيام الماضية نقصاً في الوقود والخبز وبعض السلع. وذكر حسين، المقيم في رفح المصرية، في اتصال مع «الأخبار»، أن الأنفاق كانت السبيل الوحيد للتزوّد بهذه المواد، في ظل انقطاع طرق الإمداد أمام المورّدين في القاهرة. هذا النقص في الوقود أدّى بمعظم المحطات في غزة إلى إغلاق أبوابها بعد نفاد مخزونها، جراء تهافت السكان على ملء خزانات سياراتهم وتخزين عبوات إضافية خشية استمرار الأزمة المصرية لوقت طويل. وقال أبو فراس إنه قضى ساعتين بحثاً عن محطة لتزويد سيارته بالبنزين، من دون جدوى.
من جهة ثانية، قال زياد الذي يعمل في إحدى محطات الوقود إن «سعر الوقود المصري المهرب من مصر ارتفع قبل نفاده خلال الأيام الماضية من 1.3 شيكل إلى 3 شيكلات (الدولار يعادل 3.65 شيكل)»، فيما أشار أبو محمود، وهو صاحب نفق لتهريب الوقود، إلى أنه عمل على تهريب مواد بناء خلال الأيام الماضية، بعد توقف إمدادات الوقود. وذكر أن جميع الأنفاق تعمل بنحو «بطيء جداً» منذ الاضطرابات المصرية، ويقتصر العمل فيها على تهريب البضائع والمواد الموجودة أصلاً في مخازن رفح.
وأوضح أبو محمود أن أصحاب الأنفاق الكبيرة المخصصة لتهريب السيارات استغلّوا حالة «الانفلات الأمني» وغياب الرقابة المصرية على الحدود، لتهريب عدد كبير من السيارات كانوا يواجهون صعوبة كبيرة قبل ذلك في تهريبها.
وفي السياق، قال أحد سكان المنطقة الحدودية في رفح إنه شاهد نحو 120 سيارة مهربة. وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل تسمح أسبوعياً، ومنذ نحو ثلاثة أشهر، بتوريد نحو 40 سيارة فقط للقطاع من المعابر التجارية، بعد أربع سنوات من حظر توريدها.
ويتابع الغزيون بـ«قلق» تطورات الأحداث السياسية والميدانية في مصر، خشية انعكاس «النتائج» على أوضاعهم المعيشية. وخصّصت حكومة «حماس» أرقام هواتف مجانية للسكان لتلقّي الشكاوى ضد أي شكل من أشكال رفع الأسعار أو الاحتكار من بعض التجار. وقال سكان في مدينة رفح الحدودية إن الحركة الإسلامية دفعت بتعزيزات أمنية إضافية إلى الحدود مع مصر منذ يوم الجمعة الماضي، خشية أي «اختراقات» للحدود في ظل الوضع المتدهور في الجانب المصري.
ومع اندلاع الاضطرابات في مصر، أغلقت السلطات معبر رفح البري، وهو المنفذ الوحيد لسكان القطاع على العالم الخارجي. ويترقّب مئات الفلسطينيين في غزة إعادة فتح المعبر من أجل السفر بغية العلاج والتعليم.
وكانت مصر قد فتحت معبر رفح في الاتجاهين مطلع حزيران الماضي، عقب المجزرة «الإسرائيلية» بحق سفن «أسطول الحرية».