تسير في مخيم برج البراجنة. الشوارع الرئيسية فيه شبه خالية، إلا من بعض النسوة والمسنين الجالسين على أبواب المحال. في الأزقة الداخلية، تملأ أصوات مذيعي قناة الجزيرة فضاء المخيم. أما في المحال، فقد تحلق العشرات من اللاجئين حول شاشات التلفزة. أصوات الموجودين وتعليقاتهم على ما يجري في مصر طغت في بعض الأحيان على أصوات المذيعين. معظم الحضور في هذه المحال ليسوا هنا لشراء حاجاتهم. فقد حضر بعضهم فقط لمتابعة ثورة الشعب المصري؛ لأن «الكهرباء مقطوعة في البيت»


، كما يقول محمد بلطجي. حالة التوتر وانتظار ما يخبئه المقبل من الأيام لثورة الشعب المصري تذكرك بالحالة التي عاشها أبناء المخيمات خلال الحرب على قطاع غزة في عام 2008. اليوم عاد المشهد ليتكرر مجدداً، لكن هذه المرة «للشماتة بمبارك»، كما يقول الشاب الثلاثيني. سقوط الرجل قد يعني تغيير المعادلة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية؛ لأنه إذا «تغير النظام في مصر تتغير طريقة التعامل مع قطاع غزة»، يقول بلطجي. أما سبب تعاطفهم الرئيسي، فهو فضلاً عن أن «مصر مركز العروبة، وأن ثورة الشعب المصري محقة، فهي إذا نجحت ستتحسن أوضاع أبناء غزة» يقول مروان شعفاطي. فالرجل إذا رحل «يتمكن أبناء غزة من التوجه إلى مصر لشراء حاجاتهم، وسيتمكن الطلاب من إكمال تعليمهم في جامعاتها»، يضيف شعفاطي.
هكذا، ينظر اللاجئون إلى ما يجري في مصر بعيون فلسطينية. بالنسبة إلى اللاجئين، فإن مبارك شارك في الحصار على أبناء غزة، وهو من عمل على بناء جدار حديدي تحت الأرض فقط لمنع أبناء القطاع من التهريب عبر أنفاق الحياة، بالإضافة إلى أنه على منبره أعلنت تسيبي ليفني حربها على القطاع. من هنا، لا تجد اثنين في المخيم، ولو اختلفت أهواؤهما الفصائلية، يختلفان على دعم ما يجري في مصر وضرورة إطاحة مبارك. لكن بالطبع نتيجة للانقسام السياسي بين الفصائل الفلسطينية، لم يخل الأمر من «التزريك» على أبناء حركة فتح. «اتصل معلمك عباس بمبارك ليتضامن معه، يا خوفي بكرا ما يصير بعباس ذات الشيء»، يقول بلطجي ضاحكاً لرفيقه الفتحاوي. يرد محمد الذي رفض الكشف عن اسمه كاملاً عليه لأسباب تنظيمية: «هنّي المعتدلين بيدعموا بعضهم، فاضحنا أبو مازن بالمواقف اللي بياخدها» يقول. تترك المحل. تتجه إلى مقهى على باب المخيم، ستقيم أمامه حركة فتح اليوم تظاهرة للتنديد بقناة «الجزيرة». هناك تحلّق الجميع أمام التلفزيون، تلقي التحية لا يُرّد السلام. العيون شاخصة على الشاشة، لا أحد يتفوّه بكلمة أو بتعليق. يرد خبر عاجل في أسفل الشاشة. «الجيش يطلب انسحاب المتظاهرين من الساحات». ينفجر أحمد الحسيني غاضباً، «إيش عمّال يصير والله مش فاهمين، وين ملايين مصر؟». شكّ الحسيني هذا، يرد عليّه رفيق الجلسة سعيد الأشوح «خلينا ننطر للجمعة، إن شاء الله بكون طاير»، يقول. تترك مخيم البرج وتتجه إلى مخيم شاتيلا. هناك الحياة شبه متوقفة. الشباب في محال الإنترنت تركوا كمبيوتراتهم، ليشاهدوا ما يرّد على التلفاز. «وقح يا رجل، فليخجل من نفسه وليرحل عن الكرسي»، يقول أحمد أبو طاقة. يتوجه أبو طاقة بالحديث إلى رفيقه «اللبناني بس بـ14 آذار» كما يعرف عنه. «شفت اللي بكون على ايديه دم فلسطيني إيش بصير فيه؟»، يقول أبو طاقة. يضيف: «حاصر شعبنا، وساهم في قتله، هذه ضريبة كل من يتخلى عن القضية الفلسطينية، من أنور السادات إلى مبارك». فجأة يصرخ أحدهم من آخر المحل: «خبر عاجل على موقع الجزيرة، حركة حماس تشدد الحراسة على الأنفاق خوفاً من هرب مبارك إلى غزة»، يقول طارق حسين ضاحكاً. النكتة العابرة تخفف من التوتر الموجود في الأجواء. تترك المخيم، وأنت تخرج من أزقته يسترعي انتباهك حديث جارتين على نافذتيهما المتلاصقتين: «الله لا يسامحه يريد قتل شعبه قبل أن يرحل» تقول إحداهما. «لكل ظالم يوم، يجب أن يسحبوه من قصره»، تجيبها الأخرى. ينتهي حديثهما بدعوة «تعالي نعمل صبحية، مافيش حدا، غير أنا وأنت وخديجة بن قنّة (مذيعة الجزيرة)»، تقول إحداهما ضاحكة.