قَصَدَت صحيفة «العرب» القطرية شباب الثورة المصرية المتمركزين في ميدان التحرير. سألتهم عن رؤيتهم لمصر ما بعد الرئيس الحالي حسني مبارك. كتبت: «أحمد الشرقاوي وهو محام، حضر إلى ميدان التحرير مع أربعة من رفاقه. حمل كل منهم ورقة كتب عليها مرحلة من المراحل الخمس التي يريدونها للانتقال إلى الدولة المدنية التي ينشدون». المراحل الخمسة هي: «استقالة مبارك، تعيين نائب للرئيس لفترة انتقالية، إنشاء لجنة حكماء برئاسة أحمد زويل لتعديل الدستور، حلّ مجلس الشعب، ثم إجراء انتخابات رئاسية تحت رقابة قضائية وشعبية ودولية».

أحمد زويل هو رجل إحدى المراحل الخمس هذه. رشّحه الشرقاوي رئيساً للجنة الحكماء. بعضهم اختاره رئيساً خلفاً لمبارك. آخرون فضلوه عالماً فقط. كأنهم يخافون اهتزاز صورته. صورة العالم النابغة، الحائز جائزة نوبل في الكيمياء. يخشون سقوط من رفع اسم مصر عالياً. فهذا الشعب الثائر الذي عاد إلى مصر بعدما هجرها قمعاً، لن يسمح لـ«أم الدنيا» بالانحراف مجدداً. ارتباط زويل بالسياسة يبدو غامضاً. ماذا يريد هذا الرجل؟ عام 2009، سألته وكالة أنباء «الشرق الأوسط» المصرية عن طموحاته السياسية. أجاب: «أنا إنسان صريح. ليس لدي طموح سياسي. وقد أكدت مراراً أنني أريد خدمة مصر في مجال العلم وأن أموت وأنا عالم».
زويل لم يطرح نفسه إذاً مرشحاً. لكن البحث عن اسم زويل على شبكة الإنترنت، يظهر اسمه من بين المرشحين المطروحين للرئاسة.
العالم الكيميائي لم ينأ بنفسه عن السياسة. ففي المقابلة مع وكالة «الشرق الأوسط»، أكد أن مصر «ليست أقل من كوريا الجنوبية أو ماليزيا أو تركيا. نحن في مصر لدينا مشروع قومي لتحقيق هذا الهدف». وأشار إلى أن «حلم المشروع القومي الكبير يتعدى حدود التعاون العلمي المحدود. أنا أريد رؤية مصر في مركز عالمي يليق بها في التاريخ الحديث، كما تبوأت مكانة مرموقة في التاريخ القديم». هكذا تعدى زويل مجاله العلمي ليرسم صورة مصر الحلم. مصر على نسق الدول الكبرى.
علاقة زويل بالسياسة عادت لتظهر مع بدء الثورة الشعبية في مصر. دعا في مقابلة مع قناة «الجزيرة» إلى «تغيير نظام الحكم»، قائلاً إنه «لا يمكن حلّ الأزمة بتغيير الأشخاص من دون تغيير النظام». دعوته هذه جاءت من الولايات المتحدة، حيث يقيم. فزويل لم يعد أحادي الجنسية. أصبح أميركياً يعيش في سان مارينو في ولاية كاليفورنيا، حيث يعمل أستاذاً في معهد لينوس باولينج في الكيمياء الفيزيائية، وأستاذاً للفيزياء في جامعة كالتيك.
وصفه البيت الأبيض بأنه شخصية علمية رائدة تحظى باحترام واسع، ليس فقط بسبب علمه، لكن أيضاً لكونه صوتاً للعقل في الشرق الأوسط. واختاره الرئيس الأميركي باراك أوباما ليكون ضمن مجلسه الاستشاري للعلوم والتكنولوجيا.
لا يبدو أن الشعب المصري يخشى من نصف زويل الأميركي، وخصوصاً أنه يحكي دائماً عن «مصريته» وارتباطه بالوطن ومتابعة أولاده للدوري المصري! يكفي أنه فخر لمصر. عالمٌ وليس سياسياً. لكن كيف تدرج هذا الرجل نحو العالمية؟ هو من مواليد الدمنهور عام 1946. نال «بكالوريوس» العلوم قسم الكيمياء عام 1967 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. عززها بشهادة ماجستير قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة حيث أكمل دراسته العليا وتمكن من الحصول على شهادة الدكتوراه عام 1974 من جامعة بنسلفانيا.
ارتفعت أسهمه، لا بل حلّقت في قلوب المصريين بعد حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1991.
زويل بات أشبه بأيقونة. كثّف زياراته لمصر بعد حصوله على جائزة نوبل، وقال مراراً إنه لا يزال مصرياً خالصاً، يتابع أحوال بلاده ويعرف أن مشكلتها الأساسية تكمن في غياب الحكم الرشيد وتداول السلطة وانعدام الديموقراطية.
لا جدال في أن زويل شخصية علمية نابغة. لكن كثيرون يتساءلون: هل إعلانه الدائم لمصريته وحبّه لمصر مجرد مشاعر لا صلة لها بطموح سياسي؟ الوقت كفيل بالإجابة.