ما يجري في مصر اليوم قد يخدم طموحات عمرو موسى في مكان ما. فعهد ما بعد مبارك بدأ يحلّ، والثورة ربما شقّت طريقاً له من أجل تنفيذ خطته السياسية: الوصول الى كرسي الرئاسة، ولا سيما أن الدبلوماسي العربي، الذي أتقن عمله في الجامعة العربية ونجح في تمثيل مجتمع انسلخ شعبه عن حكامه، وذلك عبر تمثيل السياسة العربية الخارجية للحكام المتحالفين مع المشروع الأميركي من جهة، ومحاولة التذاكي لاسترضاء الشارع العربي ببيعه كلاماً دبلوماسياً مؤيداً لقضاياه من جهة ثانية.

مارس لعبة شبيهة خلال الأزمة المصرية، فأبدى تعاطفاً وتأييداً للثوار، من دون أن يوجّه انتقاداً مباشراً لحسني مبارك. هذا التكتيك بدأه موسى مع تونس، فكان أوّل من حذّر من انتقال بذور الثورة الى الجوار العربي، داعياً الى أخذ العبرة منها. وقال «يجب ألا ينظر إلى تونس على أنها حالة منعزلة، ويجب الخروج بدرس مما حدث»، معوّلاً بذلك على «غضب المواطن العربي»، الذي «وصل إلى مرحلة من الغضب لم يسبق لها مثيل» وإحباط المواطنين، معتبراً أن الحل ينبغي أن يكون بالإصلاح «ويجب تنفيذه الآن في كل أنحاء العالم العربي».
ومع اندلاع ثورة النيل، رفع موسى لواء التغيير والحوار، عارضاً أن يشغل أي منصب لخدمة الوطن، مستعيناً بخبرته الدبلوماسية، ليعرب عن إعجابه بالتظاهرات «وهذا الشباب وأحيّي هذه المواقف، وأطالب بهذا الحوار»، لكن من دون أن يطلب من مبارك مباشرة التنحّي.
وهكذا مثّلت ثورتا تونس ومصر فرصة لموسى كي يروّج بصورة غير مباشرة لبرنامجه الانتخابي «الإصلاح، التغيير، الحوار، ومعالجة إحباط المواطن وغضبه»؛ علاجٌ يُقدم في الوقت المناسب لأمراض مصر والعرب. وهكذا، فإن الأمين العام يكون أكثر استعداداً بعد تركه الخدمة في الأمانة العامة للجامعة العربية في أيار المقبل، لخوض الانتخابات الرئاسية المفترض أن تجرى في أيلول، ما لم تدخل عليها الثورة الشعبية تعديلات.
إضافة الى ذلك، فإن السيرة الذاتية لعمرو موسى (مواليد 1936)، تدعم مؤهلاته للتنافس على الموقع. لقد ارتقى في العمل الدبلوماسي داخل مصر وخارجها منذ منتصف السبعينيات، وشارك في إعداد سياسة مصر الخارجية على مدى عقود. عمل بداية في السفارة المصرية في سويسرا، وتولى مهمات داخل منظمة الأمم المتحدة، قبل أن يصبح مستشاراً لوزارة الخارجية في 1977. وكان على رأس قسم المنظمات الدولية خلال فترة توقيع اتفاقية كامب دايفيد، وعمل سفيراً في الهند وممثلاً دائماً لمصر في الأمم المتحدة خلال فترة الثمانينيات. ومن موقعه وزيراً للخارجية، نفّذ سياسة مبارك الخارجية على مدى عشر سنوات (ما بين 1991 و2001)، قبل أن ينتقل الى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وقيل إن مبارك دفعه الى هذا المنصب رغبةً في إبعاده عن الأضواء، كي لا يكون منافساً محتملاً له.
أدار موسى في هذا الوقت السياسة العربية في المحافل الدولية، في فترة شديدة الحساسية. خلالها، أُعلنت الحرب على الإرهاب، التي شاركت فيها كل الأنظمة العربية، من دون استثناء، سياسياً واستخبارياً وأمنياً، وأُسقطت بغداد، وشنت إسرائيل عدوانين استهدفا كسر الحركة المقاومة على المستوى العربي. موسى في هذا الوقت كان ممثلاً بارعاً، خاطب الشارع العربي بلغة الحكيم العاقل المتوازن، فيما كان يمثل السياسة المصرية المتحالفة مع أميركا. لكن هذه الحنكة غدرت به أيام العدوان الإسرائيلي على غزة، حين أُحرج خلال اجتماع دافوس في شباط 2009 عندما صرخ رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان في وجه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز لقتله أطفال غزة ورحل عن المنصة، بينما بقي موسى جالساً في مكانه من دون حراك، عاكساً صورة الحكام العرب.
وفي سياق طموحه الرئاسي داخل مصر، بدأ التمهيد له في انتخابات 2005، حين وقّع الآلاف على عريضة تطلب منه الترشح. إلا أن موسى تمهّل، لم يجد الفرصة سانحة، وقال إنه يفضل العمل في الجامعة العربية. لكن في 2011، اختلف الوضع، وبات التوقيت مناسباً، فولايته تنتهي قبل أشهر من الانتخابات. لذلك قدّم نفسه على أنه شخص يتمتع بالمؤهلات الكافية، وانتقد جمال مبارك قائلاً إنه «يجب أن يتحلّى بالمواصفات الضرورية التي تؤهلّه للمنصب». وشقّ طريقه الى المعارضة، فأجرى حواراً مع محمد البرادعي وتباحث معه في الإصلاحات الدستورية التي تضمن شفافية الاقتراع.
ويبدو أن الغرب يرى في موسى منافساً قوياً لخلافة مبارك. فقد تحدثت وثيقة لـ«ويكيليكس» (مؤرخة في 2006) عن سيناريو الخلافة أنه «لا يوجد تقريباً أي شخصية مصرية ذات مكانة وطنية ورصيد سياسي يمكن أن تنافس بجدية على منصب الرئاسة، باستثناء وحيد، وهو الوزير عمر سليمان». وأضافت إن «هناك استثناءً آخر محتملاً، وهو موسى، الذي يتمتع بشعبية كبيرة، وينظر إليه بوصفه بطلاً مسانداً للقضايا العربية».
وفي تحضيرات المعركة الانتخابية، فإن الأمين العام يستنفد كل الأسلحة، ويدرك أهمية المواقع الإلكترونيّة ومدى تأثيرها على استمالة الناخبين الجدد في ظل فورة الثقافة الإلكترونية. ويحشد له أنصاره على المواقع الاجتماعية. وتدعوه صفحة خاصة به «عمرو موسى رئيس الجمهورية: نحن ندعوك الى حماية وطن أعطاك الكثير»، فيما تحشد له صفحة ثانية وتصفه بآخر الرجال المحترمين.