عندما عاد محمد البرادعي إلى مصر في شباط 2010، بعد فترة وجيزة من تقاعده من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لم يكن يخفي على الإطلاق رغبته في دخول ميدان العمل السياسي والترشح للانتخابات، وإن أرفقها بشروط، من دون أن يخطر في باله أن التطورات السياسية في بلاد الكنانة ستتسارع إلى درجة يجد نفسه يتصدر داخلياً قائمة المرشحين لتولّي قيادة مرحلة انتقالية.

مرحلة يرى كثيرون أن الدبلوماسي المخضرم، الذي دخل السلك الدبلوماسي منذ عام 1964 من بوابة وزارة الخارجية المصرية بعد إنهائه دراسة القانون، قبل أن ينتقل للعمل في كبرى المنظمات الدولية، غير مستعد لها، بسبب انقطاعه لما يزيد على 30 عاماً عن مصر، ما يفقده القدرة على امتلاك مفاتيح إدارة البلاد.
وافتقار البرادعي إلى مفاتيح البلاد الداخلية، وتحديداً في أوساط المؤسسة العسكرية والشرائح الغنية، اللتين مثّلتا الرافعة الأساسية لحكم حسني مبارك طوال السنوات الثلاثين الماضية، تترافق مع وجود تحفظات أميركية وإسرائيلية على إمكان وصوله إلى سدة الحكم، نتيجة مواقفه خلال فتره عمله في الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جهة، وتحالفاته الداخلية من جهة ثانية.
محلياً، لا يبدو أن البرادعي يحسن إدارة معركته رغم ما يتمتع به من دعم في صفوف الشبان المصريين الذين خرجوا بالآلاف لاستقباله لدى عودته إلى البلاد، بعد 25 عاماً قضاها في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، شغل خلالها منصب مديرها العام لمدة اثني عشر عاماً متتالية.
ولم يستطع البرادعي من خلال إنشائه «الجمعية الوطنية للتغيير»، تأمين التفاف المعارضة حوله في مساعيه لدفع النظام لتبنّي الإصلاحات، بسبب خلافات أحزاب المعارضة في ما بينها من جهة، والانتقادات الموجهة إلى برنامج جمعيته من جهة ثانية، بعدما رأى أنه يتصف بالعمومية ويفتقر إلى التماسك.
كذلك خيّب البرادعي، الذي تعرّض منذ إعلان نيته الترشح للرئاسة في عام 2009 في حال تعديل الدستور لحملة انتقادات واسعة من الصحف المحسوبة على السلطة، أمل المراهنين عليه ليكون رأس الحربة في مواجهة النظام، بعدما فشلت دعوته إلى مقاطعة الانتخابات التشريعية. وأدى امتناعه عن الإقامة الدائمة في البلاد، الى ارتفاع أصوات تتهمه بالابتعاد عن نبض الشارع المصري.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن أطياف المعارضة تتعاطى مع البرادعي حتى اللحظة، بوصفه ناطقاً باسمها، ووجهاً مقبولاً يرمز إلى هدفها، أكثر منه مرشحاً تجمع عليه.
أما دولياً، فقد ساهم تقرّبه من جماعة الإخوان المسلمين في طرح تساؤلات غربية عن خياراته وتحالفاته المستقبلية، وصولاً إلى حد اعتبار رئيس معهد الشرق الأوسط في روسيا يفغيني ساتانوفسكي أن فرصة وصول البرادعي إلى السلطة، في ظل خياراته السياسية تعادل الصفر، وسط خشية من أن يصبح البرادعي ستاراً تستعمله الجماعة للوصول إلى السلطة، ومن ثم استبعاده.
مخاوف كان البرادعي قد عزّزها لدى عودته إلى مصر، بعدما ضمت «الجمعية الوطنية للتغيير» بين مؤسسيها القيادي في حركة الإخوان المسلمين، محمد الكتاتني، فضلاً عن زيارته مقر مكتب الإرشاد الخاص بالجماعة.
وتأسيساً على ذلك، لا ينظر الأميركيون إلى البرادعي على أنه مرشح محتمل للرئاسة، إلا أنه في ظل عدم قدرة الإدارة الأميركية على تجاهل دوره، لجأت أخيراً إلى التواصل معه وسط تأكيدات أنه صوت «من الأصوات المختلفة» التي تستمع إليها واشنطن. وعدم الانسجام بين البرادعي والولايات المتحدة، وصولاً إلى حد انتقاده علانيةً دورها المزدوج في مصر، يعود في جزء منه إلى فترة وجوده في الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ فالمدير العام السابق لوكالة الطاقة الذرية، الذي التحق بها في عام 1984 وترقّى إلى أن أصبح مديراً عاما لها منذ عام 1997 حتى 2009، رفض منح الولايات المتحدة غطاءً شرعياً لاجتياح العراق، مثيراً بذلك غضب إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، وصولاً إلى محاولة عزله من منصبه.
والبرادعي الذي كُشف أيضاً في عهده برنامج إيران النووي، لم يتوان عن إغضاب الولايات المتحدة مرة جديدة، بإشارته إلى عدم وجود أدلة ملموسة على تطوير إيران أسلحة نووية، وسط اتهامات حديثة من المنظمات اليهودية تصفه بأنه «دمية» في يد إيران.
وعلى عكس مواقفه الصريحة بشأن العراق وإيران، لم يقدم البرادعي الحائز جائزة نوبل للسلام، رؤية واضحة لمواقفه من القضايا الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط. ولا يزال موقفه من معاهدة السلام الموقّعة بين مصر وإسرائيل غير واضح، على الرغم من انتقادات سابقة وجّهها للدولة العبرية، بوصفها أحد أسباب التوتر في المنطقة، وصولاً إلى وصفه «عملية السلام بالأضحوكة».
كذلك فضّل البرادعي إبقاء موقفه من إقامة الجدار العازل في منطقة رفح بالضبابي، بعدما أكد في إحدى مقابلاته الصحافية أنه يحقّ لأي دولة أن تدافع عن أمنها القومي، شرط عدم الإخلال بمسؤوليتها نحو المجتمع الإنساني. إلا أن اعتباره غزة بأنها أكبر سجن فى العالم نتيجة الحصار المفروض عليها، دفع البرادعي إلى المطالبة بإغلاق الأنفاق وفتح المعابر، وإنشاء منطقة حرة فى رفح يتسوّق فيها الفلسطينيون، ثم يعودون إلى غزة مرة أخرى.