القاهرة ـ استعاد ثوار 25 يناير قبل منتصف الليل ميدان التحرير كاملاً، بعد يوم ساخن من حرب شوارع كاملة الأوصاف مع ميليشيات حسني مبارك الذي يبدو أنه يسير إلى مصير «مجرم حرب»، حيث رأى التحالف الدولي لجرائم الحرب أن الرئيس المصري هو المسؤول جنائياً عن مذبحة يوم أمس.

حصار ثوار 25 يناير في ميدان التحرير يمثل نقلة كبيرة في الحرب بين نظام مبارك والمطالبين برحيله. النظام وصل إلى الحافة الخطرة في الدفاع عن مقعد مبارك، واستُخدمت بسرعة مدهشة أذرع قديمة وجديدة في الدفاع الأخير عن النظام الذي يشبه تنيناً يرفض النهاية ويدمر ما حوله دفاعاً عن حياة.
مبارك عارياً من تأييد دولي ومن كل قيم حقوق الإنسان، نظم عملية هجوم بربرية على المعتصمين منذ 9 أيام في قلب القاهرة مطالبين بسقوط النظام، ورحيل رأسه.
العناد هو القيمة الباقية لدى مبارك الذي لم يقدم في بيانه أول من أمس اعتذاراً عن قتل 306 مصريين يوم جمعة الغضب، ولم يعد لديه إلا قادة ومسؤولون في النظام قادوا عملية اقتحام الميليشيات مقر تظاهرات الغضب. أما المحاصَرون في ميدان التحرير، فلديهم أمل كبير في أن تكون هذه هي الساعات الأخيرة لنظام تآكلت شرعيته.
الهجوم البربري أصاب الحراك السياسي المحيط بثورة النيل المشتعلة منذ 25 يناير بالشلل. لم يعد أحد قادراً على تجنب شلالات الدماء. غابت المعارضة تحت شعار «لا حوار إلا بعد الرحيل» والنظام رد «لا مفاوضات إلا بعد فض التظاهر». لم يتحرك إلا جيش الدفاع السري عن النظام في الإعلام وإدارة البلطجية.
بدت ردود فعل النظام في مواجهة التحولات التراجيدية قريبة إلى الهستيريا، وخاصة بعد ارتفاع الضغوط الدولية، وخاصة الأميركية في اتجاه الانتقال الآن… لا في أيلول، الموعد المفترض للانتخابات الرئاسية المقبلة. وحاول النظام ستر عريه من التأييد الدولي، في تصنيع بطولة لا تقنع أحداً.
لم يعد أمام المتظاهرين مساحة للتراجع، بينما ليس أمام النظام إلا التراجع عن العجرفة التي تعامل بها مبارك مع المطالبين برحيله. هجوم مبارك بميليشيا القرون الوسطى على ميدان التحرير، أشعل الثورة من جديد، وسيؤدي إلى حشد لتظاهرات يومي الخميس والجمعة للوصول إلى الخلاص والاحتفال بالشهداء.
الجيش محايد حتى الآن، لكنه مطالب بالتحرك. غالباً لن تقتصر تحركاته على حماية الثوار، لكنها ستكون حركة سيطرة على النظام. سيطرة سيكون مقابلها عدم منح شرعية نظام ما بعد مبارك من ميدان التحرير، لكن من المؤسسة التي ستحمي مصر.
مفتاح الشرعية مقابل الحماية والأمن... هذه معادلة الأيام المقبلة.
وقوف على الحياد أثار الريبة، وخاصة بعدما أفلت مبارك ميليشياته على المتظاهرين العزل، الذين تعرضوا لمذبحة تحت أعين جنود الجيش الذين أخلوا المداخل المؤدية إلى ميدان التحرير ما سهّل لـ«كلاب» مبارك الهجوم.
وتفيد المعلومات بأن قراراً سرياً قد صدر ليل الاثنين الثلاثاء للمؤسسة العسكرية بإخلاء ميدان التحرير، ولو بالقوة، وهو ما دفع الجيش صباح يوم أمس إلى مطالبة المتظاهرين بالعودة إلى منازلهم. لكن أمام إصرار الثوار على البقاء، وفي ظل عدم رغبة المؤسسة العسكرية في الاصطدام بالناس، أخلت هذه الأخيرة المكان للبلطجية والمرتزقة المدعومين من ضباط أمن الدولة والمباحث للقيام بما فعلوه.
هجوم شارك فيه جميع أجهزة النظام، من حزب حاكم أعطى الأوامر ورجال أعمال مولوا الهجوم، وضباط قادوه، وذلك في ظل الحملة المستمرة للإعلام الرسمي منذ أيام، والهادفة إلى تصوير معتصمي ميدان التحرير بأنهم مجموعة من الإسلاميين يقودهم أجانب، أميركيون وإسرائيليون، يوزعون عليهم المال لإسقاط النظام ونسف استقرار مصر وتدمير أمنها واقتصادها.
وشكا مسؤول مصري من أن الولايات المتحدة تضغط من أجل خروج سريع لمبارك، على الرغم من أن البيت الأبيض يطالب علناً بانتقال منظم وسلس للسلطة. وأكد المسؤول، الذي كان يتحدث من خارج مصر، أنّ هناك «تناقضاً واضحاً بين وجود عملية منظمة للانتقال والإصرار على أن تحصل هذه العملية».
ولفت المسؤول، الذي قال إن الحكومة لم تخوله الإفصاح عن اسمه عند إصداره هذا البيان، إلى أن «كل الخطوات التي قام بها مبارك والخطوات الإصلاحية التي تنادي بها واشنطن لا يمكن أن تتحقق إذا كان هناك فراغ في الأعلى».
لكن الرد سرعان ما أتى من واشنطن، حيث كثفت الإدارة الأميركية ضغوطها على مبارك، مطالبةً إياه بضرورة أن تجري عملية انتقال السلطة في مصر فوراً، بعدما أدانت على لسان مسؤوليها العنف الذي وقع يوم أمس، وشددت على ضرورة أن تحاسب الحكومة المصرية المسؤولين عنه.
وفيما كانت الاشتباكات لا تزال متواصلة في ميدان التحرير، كان المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس يؤكد أن وقت انتقال السلطة في مصر هو «الآن»، لا في أيلول المقبل، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، أوضح ذلك للرئيس مبارك في الاتصال الأخير الذي جرى بينهما.
وبعدما أوضح أن الإدارة الأميركية لم تتخذ قراراً بعد بشأن وقف المساعدات التي تقدمها لمصر والتي تقدر بنحو 1.5 مليار دولار سنوياً، شدد غيبس على أنه إذا كانت الحكومة المصرية تحرض على أي من أعمال العنف في الشارع، «يجب أن تتوقف على الفور».
بدورها، طالبت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، في اتصال هاتفي مع نائب الرئيس المصري عمر سليمان، بإجراء تحقيق في أعمال العنف التي شهدها ميدان التحرير أمس، فيما أقر المتحدث باسم الخارجية فيليب كراولي بأن جماعة الإخوان المسلمين قد تؤدي دوراً في الفترة المقبلة إذا وافقت على عملية سلمية وديموقراطية.
من جهة ثانية، أعرب كراولي عن أمله بأن تؤدي «الحكومة المقبلة في مصر دوراً بنّاءً في عملية السلام»، وأن «تقر بأهمية إقامة علاقة سلمية مع إسرائيل»، فيما كشف مسؤول أميركي رفيع أن السفارة الأميركية في القاهرة أجرت اتصالات مع عدد كبير من شخصيات المعارضة المصرية منذ بدء الاحتجاجات، نافياً إجراء أي اتصال مع «الإخوان».
في هذه الأثناء، استمرت وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» بتواصلها مع الجيش المصري، بعدما أجرى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميرال مايك مولن اتصالاً هاتفياً برئيس الأركان المصري سامي عنان، داعياً إياه إلى استعادة الهدوء في مصر، ومعرباً له عن «ثقته بقدرة الجيش المصري على توفير الأمن للبلاد داخلياً وفي أرجاء منطقة قناة السويس».
أخيراً، دعا السيناتور الأميركي جون ماكين الرئيس مبارك إلى التنحي، وذلك بعيد لقائه أوباما في البيت الأبيض. وكتب النائب الجمهوري عن ولاية أريزونا على موقع تويتر «إنه أمر مؤسف، (لكن) الوقت حان ليتنحى الرئيس مبارك ويتخلى عن مقاليد الحكم»، معتبراً أن «هذا الأمر يصبّ في مصلحة مصر وشعبها وجيشها».
إسرائيلياً، بدا واضحاً أمس حجم القلق من التداعيات المرتقبة في مصر على العلاقات بين القاهرة وتل أبيب بعدما سلّم وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك بأن عهد مبارك قد ولى.
وحذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في خطاب أمام الكنيست الإسرائيلي، من أن عدم الاستقرار والتظاهرات ضد الحكومة في جميع أنحاء مصر سيؤديان إلى «زعزعة الاستقرار لسنوات» في المنطقة، مشيراً إلى أنه «سيكون هناك صراع في مصر بين من يؤيدون الديموقراطية ومن يريدون الإسلام الراديكالي»، ومبدياً تخوفه من أنه «يمكن ألا تحقق إحدى هاتين القوتين فوزاً على الأخرى لوقت طويل، وأن يستمر انعدام الاستقرار والغموض لأعوام عدة».
وأضاف: «أنا واثق بأنه إذا انتصرت القوات التي تريد القيام بتغيير، وإذا انتصرت الإصلاحات وإرساء الديموقراطية في مصر، فإن هذا التغيير سيدفع قدماً نحو السلام وإسرائيل في العالم العربي». وتدارك نتنياهو بقوله: «لكننا لم نصل إلى تلك المرحلة بعد»، داعياً إلى «رؤية الحقيقة كما هي». وأضاف أن «النظام الإيراني لا يريد نظاماً مصرياً يدافع عن حقوق الإنسان. إنه يريد نظاماً يعود إلى القرون الوسطى، نظاماً يصبح غزة ثانية».