جبيل ــ طرابلس | كان يستمع إلى أغنية «المحكمة» للمطرب سيد الشيخ مردّداً كلماتها. هو شاب مصري يُدعى عاصم أحمد محمد. يقول «والله يستاهل محاكمة». يتابع عمله في إحدى محطّات الوقود في جبيل ثم يضيف «تأخّر التغيير 20 عاماً. كان على الشعب أن ينتفض بعد السنوات العشر الأولى من حكم الرئيس»، مؤكداً «لا بد أن يستقيل بسرعة، هو من أجبرنا على الغربة».

«ليسقط مبارك». هي اللافتة التي كان سيرفعها محمد لو استطاع التوجه إلى ميدان التحرير. يؤكد «أنا راجع لمصر بلدي إذا فلّ وإذا ما فلّ، وبإذن الله رح يفلّ». يختم حديثه قائلاً: «مبروك للشعب المصري». زميله في العمل رمضان طه يتحدث بدوره عن «مصر حرّة»، مضيفاً «لم يبق رئيس في التاريخ على كرسيه ثلاثين عاماً من دون أن يحقّق أي أمر للشعب. لقد هاجر الآلاف من مصر بسبب الفقر والبطالة».
شحاده السيّد ترك مصر منذ ستّ سنوات بسبب راتب لا يتعدى سبعين دولاراً شهرياً، رغم أنه يحمل شهادة «بكالوريوس» في إدارة الأعمال والتسويق. يقول «نفسي أرجع مصر حالاً»، مشيراً إلى أن التظاهرات مشروعة، ومضيفاً «كل الطاقم السياسي يتحمّل مسؤولية الثلاثين عاماً الماضية». لكنه أبدى خشيته على الشعب المصريّ من العنف.
يتابع السيد «كلّنا مع التغيير، لكن الثورة تولد مع الفقراء والبرادعي ليس فقيراً. لم يعش الفقر في مصر. نريد رئيساً لا يفرّق بين المصرييّن». ويضيف «أصبحنا أحراراً لكن ليخرج الرئيس بشرف وكرامة، فكرامة الرئيس من كرامة الشعب».
«ارحم شعبك». هذا ما أراد طاهر عبد العزيز قوله للرئيس، مضيفاً «أنت مصريّ ونحنا مصريّون، وما يحدث للشعب حرام. انتخبناك ممثلاً لنا، يفترض بك أن تكون صوت الشعب».
حال المصريين بين جبيل وطرابلس متشابهة. يسأل العامل فتحي أبو العزم «عاوْزينّي أقول إيه؟ ربنا يسلم لنا بلدنا».
اكتفى بهذه الكلمات وهو يتابع عمله في مسح زجاج سيارة توقفت لتملأ خزانها بالوقود في إحدى المحطات في طرابلس. أبو العزم واحد من قلة من العمال المصريين الذين يعملون في محطات الوقود والأفران والورش وغيرها في هذه المدينة، حيث العمال السوريون هم الغالبية، لأن «الأجور في بيروت أعلى» حسب قوله، قبل أن يضيف «مدخولي هنا جيّد والحمد لله، وإلا كنت رحت مكان تاني، لأنه نحن ما تغربناش حتى ناكل ونشرب بس، بدي جمّع قرشين وبعدها أعود بلدي».
وإذ يرفض أبو العزم إعلان موقفه بشأن ما يحدث في مصر، وما إذا كان يؤيد إطاحة نظام مبارك، يوضح أن «المصريين يريدون أن يعيشوا بكرامة في بلدهم، وأنا لا يهمني سواء بقي مبارك في السلطة أو جاء غيره. نحن تعبنا كتير وعاوزين نرتاح».
ما لم يقله أبو العزم قاله زميله رشدي في المحطة. فأشار إلى أن «غالبية المصريين الذين يعملون في الخارج يفضلون عدم التطرق إلى الشؤون السياسية، حتى لا يتعرضوا لمضايقات في السفارة أو حين عودتهم إلى بلادهم».
رشدي الذي ردد عبارة «نحن المصريين شعب غلابى» أكثر من مرة، أبدى تعاطفاً مع ما يحصل في الشارع المصري لأن «التغيير بات أمراً مطلوباً بعد كل هذه السنوات، ولأن هناك أجيالاً تريد أن تعيش في بلادها، لا أن تتشرد في الدنيا بحثاً عن لقمة العيش».
إلا أن رشدي الذي يتصل بذويه في مدينة دمنهور يومياً ليطمئن إليهم، لا يخفي خشيته من أن يكون ما تشهده مصر «دخولاً في المجهول، وأنه بدلاً من أن يؤدي التغيير إلى وصولنا إلى وضع أفضل نعود إلى الوراء مرة أخرى، فتضيع الفرصة ويضيع شعب مصر».
القلق على أوضاع مصر لا يقتصر على المصريين فقط، بل إن لبنانيين لديهم أقارب في أرض الكنانة، لم يتوقفوا منذ بداية التظاهرات عن الاتصال بهم للاطمئنان.
من بين هؤلاء مصطفى الصمد، ابن منطقة الضنية. فهو متزوج من امرأة مصرية وابنتاه تعيشان في القاهرة. يقول «أتحدث إليهما يومياً منذ بدء الأحداث لأطمئن إليهما، وأحياناً اضطر للاتصال أكثر من مرة بسبب أحوال مصر في هذه الفترة».
ويشير الصمد إلى أن «إحدى ابنتيه تقيم في حي المعادي والثانية في حي مصر الجديدة، وأنهما لم تخرجا من البيت منذ بدء الأحداث»، والسبب، بحسب ابنتيه، هو «أن شوارع القاهرة تمتلئ هذه الأيام بالشباب الفلتانين الذين يحلمون العصي والسكاكين».