أقيمت في لبنان خلال الحرب الإسرائيلية في صيف تموز عام 2006، مستشفيات عسكرية ميدانية من دول عربية عدة للمساعدة في إسعاف المواطنين المصابين جرّاء القصف الإسرائيلي، تُذكر منها المستشفيات الميدانية للأردن ومصر والسعودية. تمركز المستشفى الميداني المصري في منطقة الطريق الجديدة قرب كلية الهندسة في جامعة بيروت العربية، واختار المستشفى الميداني الأردني منطقة فردان، فيما اتخذ المستشفى السعودي من ميدان سباق الخيل في قصقص مركزاً له. انتهت الحرب الإسرائيلية فغادر فريق المستشفى الميداني السعودي في أيلول من العام نفسه، ولحق به فريق المستشفى الأردني بداية عام 2007. أما المستشفى الميداني العسكري المصري، فيكاد يُطفئ شمعة عامه الخامس على أراضي لبنان رغم انتفاء السبب الذي قدِم لأجله.

طاقم المستشفى الميداني المؤلّف من 44 شخصاً (أطباء وممرضون وصيادلة وإداريون)، شغل وظيفة أخرى غير الإسعاف الحربي. بدأ بتقديم خدمات طبية مجانية لمرضى لبنانيين وغيرهم. نشاط هذا المستشفى المتمايز طرح عدداً من علامات الاستفهام حول الخلفية والأسباب. برزت إلى الواجهة اتهامات لبنانية ساقها سياسيون وصحافيون حول شبهات بقاء المستشفى في لبنان، فيما سارع البعض إلى ربط بقائه بأغراض استخبارية تقف خلفها جهات تتربّص شرّاً بلبنان والمقاومة.
انتهت حرب تموز. مرّت سنوات خمس. هدأ الوضع في لبنان أمنياً ليشتعل في بلد الفراعنة. عشرات القتلى ومئات الجرحى باتوا يسقطون يومياً منذ انطلاق الغضب الشعبي ضد الرئيس المصري حسني مبارك. ووسط هذا الوضع المتأزم مصرياً واستمرار بقاء المستشفى الميداني المصري من دون مبررات واضحة، طفت إلى السطح الشبهات المسوقة سابقاً حول الغايات الاستخبارية التي تقف خلف بقائه، وتحديداً لجهة حساسية المنطقة الموجود فيها. وذكرت تقارير صحافية معلومات عن مستشارين عسكريين وأمنيين مصريين في المستشفى الميداني المصري، يعقدون اجتماعات دورية مع ضبّاط سابقين ومسؤولين عسكريين في مجموعات أصولية تكفيرية تعتنق فكر تنظيم «القاعدة»، وتتبع تياراً سياسياً ناشطاً في مناطق البقاع وطرابلس وبيروت، بهدف التنسيق المادي والعسكري لأهداف مشبوهة يجري الإعداد لها.
كذلك جرى الحديث عن طائرات مصرية عسكرية محمّلة بأسلحة حربية تحت غطاء أنها مساعدات طبية، تحطّ كل شهرين في مطار رفيق الحريري الدولي، ويستقبلها الملحق العسكري المصري، لتُنقل الأسلحة لاحقاً إلى المستشفى الميداني المصري في الطريق الجديدة حيث تُوزّع على عشرات «التكفيريين».
ووسط التقارير التي جرى تناقلها، برزت آراء سابقة لسياسيين لبنانيين عادوا وأكّدوها. فقد طرح أحد نواب المعارضة السابقين علامات استفهام حول أداء المستشفى الميداني المصري، والمعدّات التي تصل إليه تحت المسمّى الطبي من دون أن يُصار إلى فتحها أو تفتيشها. وشدّد على أن كل ما يأتي من النظام المصري يُدرج تلقائياً في خانة الشبهات، نظراً «لتاريخ رأس النظام الغارق حتى أخمص قدميه في وحل الخيانة». انطلاقاً من هنا، يرى النائب السابق أن «جميع المعطيات توحي بأن نشاط المستشفى الميداني المصري، رغم غطاء مساعدة الفقراء طبياً، لا يمنع، ولو من حيث الشبهة، أن يُدرج ضمن إطار العمل الاستخباري ضد المقاومة».
ويعيد النائب المذكور طرح السؤال عن سبب إقامة مركز المستشفى في الطريق الجديدة، «علماً بأنّ شيئاً لم يُستهدف هناك، فضلاً عن أنه لم يُسجّل للمستشفى المصري استقبال، ولو حالة واحدة، أثناء الحرب الإسرائيلية منذ نحو خمس سنوات».
ما ساقه النائب المعارض لم يكن يتيماً، فقد وافقه نائب آخر قبل أن يتخطّاه بأشواط لافتاً إلى أن الهدف الحقيقي من بقاء المستشفى العسكري الميداني المصري هو «الإعداد لميليشيات من أجل التخريب عندما تحين الساعة المؤقتة مع اتهام حزب الله باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري».
كثرة الأقاويل ربما لا تُعفي المستشفى الميداني العسكري المصري أو تُخرجه من دائرة الشبهات، لكنها لا تلغي إيجابيات هذا المستشفى الذي ساعد المحتاجين طبياً، فيما لا تنتفي ضرورة فتح تحقيق جدّي للوقوف على حقيقة المعلومات المتداولة لمحاسبة المتورّطين إن وُجدوا. وفي السياق، نقل أحد التقارير الإعلامية استناداً إلى معلومات أمنية أنّ أحد ضباط القوات الخاصة المصرية في المستشفى الميداني يجتمع باستمرار مع العميد المتقاعد من الجيش اللبناني محمود ج.، الملقّب «الحاج جهاد»، لافتاً إلى أن المذكور هو منسّق تيار المستقبل في بيروت. وأشار التقرير إلى أن المجتمعين يضعون خططاً لتأسيس غرف عمليات عسكرية في مناطق بيروت، بالإضافة إلى مشاركة «الحاج جهاد» عبر مجموعاته في جمع معلومات عن «حزب الله» والمقاومة.
في الإطار نفسه، وبناءً على التحقيقات في أعمال شغب يوم الغضب الذي دعا إليه تيار المستقبل، ترددت معلومات عن تورّط ضبّاط سابقين في التحريض على أعمال الشغب التي حصلت، علماً بأنّ «الحاج جهاد» حاول التدخّل لدى القضاء لإخلاء سبيل الموقوفين الستة الذين أُلقي القبض عليهم لعلاقتهم بأعمال الشغب ومحاولة إحراق منزل في الطريق الجديدة.




السفارة المصريّة تنفي

نفى مسؤول في السفارة المصرية في بيروت الشبهات المتداولة حول المستشفى الميداني العسكري المصري، واضعاً إياها في سياق التجنّي والجحود للدور والجهد اللذين يقوم بهما طاقم المستشفى. وأكد أن المستشفى بقي في لبنان بناءً على طلب رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، لافتاً إلى أن الطاقم كان سيغادر لبنان إلى مصر الشهر الماضي لولا تجديد الحكومة اللبنانية تمسّكها ببقائه.
كذلك تحدّث المسؤول عن طائرة حربية محمّلة بالأدوية تصل إلى مطار بيروت دورياً كل أسبوعين، مشيراً إلى أن ذلك يجري بإشراف وزارة الصحة ومديرية الجمارك.
وفي ما يتعلّق بالأصوات المطالبة بمغادرة طاقم المستشفى، رأى أن الأطباء والصيادلة في بيروت يقفون وراء تسويق ما يشاع عن تضررهم نتيجة خسارة زبائنهم، لأن المستشفى العسكري يُجري الفحوصات والعمليات ويوزّع الأدوية مجّاناً على نفقة السفارة المصرية.
وذكر أحد أفراد طاقم المستشفى الميداني لـ«الأخبار» أن الأطباء يعالجون نحو 500 مريض يومياً معظمهم من الفقراء، مشيراً إلى أن هناك أقساماً عدة تلبّي احتياجات معظم المرضى، أبرزها عيادة الأطفال والصحة العامة وقسما الجراحة والتوليد.