القاهرة| منذ 200 عام، كانت منطقة وسط البلد وميدان التحرير في القاهرة عبارة عن مستنقعات، يغمرها النيل في مواسم الفيضان، ثم ينحسر ليترك بركاً متناثرة تتحوّل موطناً للذباب ومصدراً للأمراض، على رأسها الكوليرا، إلى أن قرر الخديوي إسماعيل رائد الانبهار بالحضارة الغربية، إعادة تخطيط وبناء مدينة في منطقة المستنقعات.

مدينة قرر من البداية أن يمنحها اسم باريس الشرق، ويستورد المهندسين ليصمّموها بشكل يحاكي العاصمة الفرنسية، ولهذا فالتخطيط الأولي لميدان التحرير هو ذاته تخطيط ساحة شارل ديغول في باريس، وغدت المنطقة أبهج مناطق القاهرة، وأكثرها عمراناً وسكنها الأمراء والأغنياء.
ومع انتهاء أعمال بنائه، اتخذ الميدان اسم ميدان «الإسماعيلية»، نسبة إلى الخديوي، قبل أن يطلق عليه منذ الخمسينيات «ميدان التحرير»، بعدما ارتبط بالحراك والوعي السياسي المصري.
ومنذ ظهوره بشكله الحديث في نهايات القرن التاسع عشر، ضم الميدان ما يعرف باسم ثكن قصر النيل في الجيش المصري، التي شكلت طلائع الثورة العرابية التي قادها أحمد عرابي في عام 1882 ضد القصر حيث ظهرت العبارة الأيقونة للوعي السياسي المصري «لقد خلقنا الله أحراراً ولن نستعبد بعد اليوم».
انتهت ثورة عرابي بسبب تعاون القصر والقوى الاستعمارية الإنكليزية، وظهر في الطرف الثاني من الميدان من جهة الكورنيش ما يعرف بثكن الإنكليز التي هدمت، وأنشئ مقرّ جامعة الدول العربية الحالي بعد خروج الاستعمار الإنكليزي. ومع بداية القرن العشرين، كانت الكثافة السكانية ترتفع في منطقة الميدان وتقتحمها عائلات الطبقة الوسطى، بعدما كانت حكراً على رجال القصر وعليّة القوم من الجيش.
وفي عام 1900، افتتح المتحف المصري عند مدخل الميدان من جهة شارع رمسيس، كما نقلت مقارّ أبرز مؤسسات الدولة المصرية الوليدة لتحيط بالميدان من كل اتجاه، بداية من المؤسسة الصحية (القصر العيني) في جنوب الميدان، وحتى المؤسسات المالية والإدارية والأوقاف في شرق الميدان من جهة حي السيدة زينب، إلى جانب وجود عدد كبير من الشوارع المؤدية إلى ميدان العتبة، مركز الحركة التجارية الأول في قلب القاهرة. كل هذه الأمور أكسبت الميدان وجوداً حيوياً ومركزياً في المدينة. فهو نقطة ارتكاز لجميع خطوط المواصلات ومعظم سكان القاهرة يمرّون عبره يومياً.
ولهذا، كان الميدان البقعة المفضّلة للتظاهرات السياسية لسهولة الوصول إليه وتجمع الناس عنده، حيث شهد الميدان الكثير من التظاهرات القوية في القرن العشرين، بدايةً من تظاهرات ثورة 1919، حتى خروج أول تظاهرة تطالب بسقوط الملك فاروق في عام 1946. وبعد سيطرة الجيش على مقاليد الحكم في تموز 1952، شهد الميدان واحدة من أقوى الثورات المؤيدة له، لكنها في الوقت نفسه سلّطت الأضواء على أهمية الميدان وخطورة التظاهرات فيه.
سنوات مرّت قبل أن تتسبّب هزيمة 1967 بعودة المصريين إلى الميدان. وعلى استحياء، بدأت التظاهرات تتجه إلى الميدان للمطالبة بمحاكمة المسؤولين عن الهزيمة، وضرورة الثأر واستعادة الأرض. لكن في عام 1972، تدفقت تظاهرات طلبة الجامعة وغيرهم من فئات الشعب على الميدان، مطالبةً الرئيس أنور السادات بإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم. كانت تظاهرات 1972 هى الأكبر والأقوى، حيث تمكن المتظاهرون من تحرير الميدان من قوات الأمن والاعتصام بداخله. لم تستطيع قوات الأمن فضّ الاعتصام إلا بمجزرة عنيفة لا تزال حاضرة بقوة في أذهان كل من حضروها. وكان الميدان وكل من حضروا تلك التظاهرة عناصر الإلهام الأساسية التى استمدها أمل دنقل في قصيدته الشهيرة «الكعكة الحجرية».
أما في عهد حسني مبارك، فابتعد الميدان عن المتظاهرين، وعملت السلطات الأمنية طوال عقود طويلة على الحفاظ عليه تحت سيطرتها، وعدم التنازل عنه تحت أي ظرف للمتظاهرين الذين تقوقعوا لسنوات أمام سلّم نقابة الصحافيين وأسوار مجلس الشعب. ربما يكون الاستثناء الوحيد بعض التظاهرات التى ترضى عنها السلطة وتكون في الغالب لدعم القضية الفلسطينية، أو للاحتفال بالفوز بكأس أفريقيا.
لكن في عام 2003 خرج الوضع في ميدان التحرير عن سيطرة أمن مبارك للمرة الأولى، حيث وصل عدد المتظاهرين والرافضين للحرب على العراق إلى أكثر من خمسين ألف شخص، ولم تنجح قوات الأمن في تفريقهم إلا بخراطيم مياه عربات الإطفاء، وفرق الكارتية والبلطجية المتنوعة.