القاهرة| المافيا أسلوب حكم لمن لا يملك جهازاً إدارياً قادراً على تسيير أمور «دولة» تحت الإنشاء منذ عام 1952، عاشت على شحنات من أيديولوجيا جمال عبد الناصر، ووعود أنور السادات بالتحول الديموقراطي على الطريقة الأميركية، استخدمته دراسات غربية لوصف نظام الحكم بعد قيام الثورة. جمال عبد الناصر كان يحب فكرة أهل الثقة. وهي شلّة تعلّمها من محمد علي باشا


، الذي اختار مجموعة من عائلات قريبة منه ليتملكوا الأراضي، ويُكوّنوا طبقة مرتبطة به تحميه ويحميها.
شلّة عبد الناصر كانت من الثوار، ومعهم وبينهم عائلات كانت حاكمة قبل الثورة. عبد الناصر قرر إنهاء حكم العائلات الملكية، وقال إنها كانت «16 عائلة فقط».
كان هدفه كسر احتكارها للسلطة والثروة، فكوّن عائلة من الجنرالات الثوار. العائلة سيطرت على البلد تحت قيادة الأب الكبير. شلّة مؤمنة (أو تدّعي الإيمان) بمبادئ الثورة إلى جانب المصلحة. الأمر تغيّر إلى حد ما مع أنور السادات، الذي اختار شلّة جديدة غالبية أفرادها من عائلات المال القديمة التي عملت تحت غطاء الثورة وفي خطوطها الفرعية (عائلات عثمان وسيد مرعي وعبد الغفار... وغيرها).
السادات فتح مع عائلات المال خطوط مصاهرة منحت النفوذ للعائلات وخطوط الأمان والسيطرة للرئيس. هناك عائلات استمرت عبر العصور من خلال قانون الحفاظ على القنوات السرية بين المال والسياسة. عائلات عابرة للعصور (مثل عائلة غالي الذي كان أحد نجومها يتصور أن الوزراء يتخرجون من كليات بعينها)، وأخرى متعددة الانتماءات (عائلة محيي الدين تضم اشتراكيين وليبراليين حكوميين ومعارضة. وعائلة أباظة نصفهم «وفد» والنصف الآخر حكومة).
شلّة حسني مبارك مميّزة. أهم مزاياها أنها لا تلتف حول مشروع كبير. مشروعها الوحيد هو المصلحة. من هذه الفكرة ولد أحمد عز، رمز مافيا مبارك الأذكى والأقدر مالياً. الذكاء والمال سلاحان يُستخدمان عادة في قصص من هذا النوع. لكن مع الحالم بمقعد الرجل الأول، الأمر يختلف.
هو يعرف جيداً ما يفتقده؛ الجاذبية الاجتماعية والكاريزما الجماهيرية، لكنه تعلم فن الإدارة. عاش في الظل طويلاً، لكن عندما قرر القفز إلى أعلى، لم تكن قفزات بسيطة، كانت درساً في اعتلاء الأكتاف لتعويض نقصان الطول الجسدي... اعتلاء أنيق.
لم يكن هدفه كما أعلن في بداياته: «أريد تعلّم السياسة». قالها ولم يدفع لرجال «بيزنس» مهّدوا له أول الطريق ليصبح رجل أعمال، لا مجرد صاحب شركة صغيرة. لكنه دفع عندما زار رجلاً كبيراً في «الحزب» كان يعرف أنه يحب نظام الحقائب. الرجل مهّد له الطريق إلى مجلس الشعب ومنه عرف كيف يتصل بمن هم أكبر!
أدرك بذكاء أن الحقائب لم تعد كافية، فسافر إلى سويسرا وعاد ولم يخبر أحداً، حتى «الرجل الكبير» الذي تسلم بعدها إشعار إضافة إلى حسابه... فابتسم وبدأ القرب.
القرب أدخل الحالم بمقعد الرجل الأول في «تركيبة» أخرى. صحيح أنها قريبة من «الكبير»، إلا أنها لا تعبّر عن مدى اتصاله الحقيقي ولا أحلامه التي تجعله يمد خيوط الاتصال بالخارج. هكذا بعيداً عن الأعين المتلصصة على كل شاردة وواردة،
قفزت الثروة على نحو خرافي (40 مليار جنيه) لا يمكن تصديقه نظرياً. وفُتح له كنز احتكار صناعة استراتيجية لم يفهم أحد من المقربين لماذا يلتهم السوق وحده؟ ولم يكن أحد يمتلك الإجابة لأن السؤال ليس دقيقاً، فهو ليس وحده، إنه يدير أموال الرجل الكبير، وهذا سر الموافقة على استحواذه على شركة كان يرأس مجلس
إدارتها.
ليس وحده. لكنه لعب على شبق الرجل الكبير بالمال ليبقى قريباً ومخلصاً بصمت، متحملاً الهجوم الشرس عليه بوصفه «عدو الشعب».
أحمد عز أشهر محمية سياسية في مصر، لكنه ليس أخطرها. إنه مجرد الرأس الظاهر على السطح. غالبية المحميات السياسية تعمل في الخفاء. إنهم أبناء نظام مبارك، وقصصهم هي الحكاية الحقيقية لما حدث في الـ٣٠ سنة الماضية. هم اللاعبون الأساسيون. يعيشون من خير النظام وينقذونه من ورطات سياسية. كوّنوا ثرواتهم بقربهم من المنطقة الدافئة في قصر الرئاسة وتحولوا إلى ديناصورات مالية ببركة الرضا السامي، ويؤدّون أدواراً لا تُعلَن، لكنها تمنحهم المزيد من الثقة وتزيد فرصهم في حماية أكبر.
المثال القوي هنا محمد نصير الذي يقول تقرير من معهد «كارنيغي» للسلام الدولي (صدر قبل عدة أشهر) إنه اشترى شركة كوكاكولا عام 1993، مستفيداً من علاقته الوثيقة بالنظام، ثم باعها بعد ذلك بسنتين بثلاثة أضعاف سعر الشراء.
كذلك استفادت عائلة الزيات من علاقاتها المباشرة مع بعض رموز النظام واحتكرت صناعة المشروبات، وأخيراً نجحت عائلتان في نهاية التسعينيات في إقناع الحكومة بأن تحصر مناقصة في مجال صناعة الأفلام بهما، وعدم السماح لأي منافس آخر بالدخول.
التقرير انتهى ولم يتحدث عن دور نصير في تلميع صورة نظام مبارك أمام المؤسسات الدولية. فالرجل الذي اشترى كوكاكولا أعطى انطباعاً بأن مبارك يتنازل عن ملكية القطاع العام لرجال من القطاع الخاص، بينما كانت الحقيقة أن مبارك يبيع القطاع العام لمجموعة من «أهل الثقة» وتحت الحماية. وهذا ينطبق غالباً على عائلة الزيات، إحدى المحميات المعلنة أيضاً.
فالمحميات أنواع ودرجات خفية وعلنية، هم غالباً رجال أعمال يضعهم نظام مبارك في محميات ممنوع الاقتراب منها. ليس كل رجال الأعمال لكنهم الشطار القادرون على اختراق الأسوار والوصول إلى كبير في السلطة يمكنه أن يمنح الحماية. كل مركز قوي في النظام يصنع شلّة أصدقاء يحتمون به، وممدوح إسماعيل صاحب العبارة، لو تذكرونه، هو متخرج من إحدى هذه المحميات. لكنها مجرد محمية صغيرة.
هناك محمية صغيرة أخرى عاش فيها رجل أعمال، بدأ بمشروع صغير جداً لا يصل إلى المليون، لكنه تعرف إلى موظف من حاشية الرئيس، مطّلع على الأمور الخفية ويعرف مسار القرارات. الموظف عرف فقط معلومة وباعها لرجل الأعمال الصغير.
معلومة بسيطة تقول: «اشتر هذه الأرض لأنها ستدخل قريباً جداً في إطار إحدى المدن الجديدة».
في المقابل، حظي الموظف بنسبة مكتوبة باسم زوجته. لكن رجل الأعمال تحول إلي ملياردير، اهتز البلد حين تعرضت حياته للخطر لأنه كان يدير ربع أموال البنوك وقتها بعدما انتقل من حماية الموظف الصغير إلى حماية أكبر وصلت إلى الرئيس نفسه. المحمية الكبيرة تتبع الرئيس مباشرة وربما عائلته.




أحمد عزّ يحلم بالرئاسة

يعرف أحمد عز (الصورة) كيف يستخدم سلاح المال في كل مكان، من البرلمان إلى الحزب وحتى المدرسة الخاصة التي يرأس مجلس إدارتها، وتربطه بنخبة مهمة من مليارديرات البلد. يصرف ببذخ وتسجّل مكاتب استشارية أميركيّة خطبته في حفل التخرج، بينما يهندس مواعيده الغرامية ويفضّل الزواج على المغامرة، جامعاً بين أكثر من زوجة في قصوره المتعددة.
يحلم بالوصول إلى مقعد الرجل الأول بعد جولات يتحرك فيها بالمال والخطة السرية لكي يكون كل شيء في يده؛ الخارج والقوى المتصارعة، مستخدماً سلاح ثروات ضمان المستقبل في إبعاد أصحاب القوة. أما أصحاب النفوذ فيعرف منذ الآن أين وكيف يقضي عليهم؟