يروي المصريّون نكتة عن باشا حطّ به الزمان بعدما أمّمت ثورة يوليو كل ممتلكاته، فاضطر الى بيع الفجل على عربة. هكذا، كان يمشي بكل عجرفته الباشوية، دافعاً عربة الفجل أمامه ومنادياً «فجل يا كلاب». تذكّرت هذه النكتة حين رأيت كيف توجّه حسني مبارك، الرئيس المصري المقاوم للخلع، الى شعبه. كان يخاطبهم مترفعاً بعجرفة من اضطره الزمان إلى الكلام مع «هذه اللمامة»، كما يقول المصريون. مع أن ما اضطره إلى الكلام، بدا في مضمون خطابه: ما نصّه عليه «المبعوث الخاص» الأميركي الذي وصل على جناح السرعة، خوفاً من اي أغلاط إضافية، «فالذي فيه مكفّيه»، كما يقال.

هكذا، وفي الوقت الذي يستقطب فيه الحدث المصري الانتباه العام، تتحرك بصمت، في الكواليس الرهيبة للسياسة العربية، آلة النظام الإمبراطوري، محاولة استباق أثر الدومينو على منظومتها في المنطقة، درعها الواقية، وقطع حبل الصاعق عن «الدول الصديقة» قبل أن تصلها شرارة الثورة المنطلقة من تونس. لم يكن المتابع العادي ليتنبّه الى آثار نعال المرور الأميركي الصامت على تصريحات بعض القادة العرب، لولا تلك المواقف «الغريبة» والمفاجئة السخاء لديكتاتوريات المنطقة. قصب السبق للأردن. استفاق ملك الأردن على حل حكومة سمير الرفاعي غير الشعبية، وأتى بغيرها يبدو أنها أقل شعبية ورفضتها المعارضة، وها هي التظاهرات مستمرة. في اليمن، حلّ «عقل الرحمن» فجأة على الرئيس علي عبد الله صالح، فأعلن «بلفتة كريمة» أنه أولاً لن يترشح لفترة رئاسية إضافية، وأنه، ثانياً، لن يورّث البلاد لابنه أحمد. ثم دعا المعارضة اليمنية إلى المشاركة في حكومة وحدة وطنية، مؤجلاً انتخابات تشريعية كان يحلف أنها ستجرى في نيسان! لكن التظاهرات مستمرة. أما الجزائر؟ فقد كان ردّها بوتفليقياً بامتياز: منع التظاهر من أصله. وبرغم ذلك، نزل آلاف الطلاب الى الشوارع الثلاثاء الماضي. فيما «تسلل» خبر الى الشريط الإخباري أسفل الشاشات من المغرب: ابن عم الملك يقول إن أحداً ليس بمنأى عما يحصل في مصر.
إذاً، القادة خائفون. من أوعز إليهم بهذه المبادرات الإصلاحية التي انهمرت على يومياتنا العجاف في أقل من أسبوع مصري؟ تبدو البصمات الأميركية واضحة. الإمبراطورية خائفة. فما يحصل هو انفجار في وجهها ووجه سياساتها في المنطقة. هذا ما فهمه الرئيس السوري حين قال لمجلة «وول ستريت جورنال»، إن التظاهرات تطلق «حقبة جديدة» في الشرق الأوسط، لافتاً الى أن لديه «وقتاً أكثر من حسني مبارك ليجري إصلاحات، بما أن معارضته لإسرائيل وأميركا جعلت موقعه أفضل في بلاده». طبعاً هو يعلم أن هذا لن يكفي بعد الآن. بدليل قوله: «يتعيّن على الحكام العرب بذل المزيد من الجهود لتلبية طموحات شعوبهم الاقتصادية والسياسية». لكن، هل سينتظر المزاج العربي العام تحقق هذه «القناعات»؟ هذا أمر لا يملك الإجابة عنه إلا الناس.
«هل هو ربيع عربي»؟ يسأل البرنامج الفرنسي. لا أحد تجرّأ على تسميتها ثورةً بعد. من ياسمين تونس الى فلّ مصر، إلى الأردن واليمن. بمَ يشتهر الأردن؟ بالزعتر. واليمن السعيد؟ بالقات. ربما هذا هو سبب «سعادته». الفل والياسمين والورد، تقول الأغنية. أين سيتفتح الورد قريباً؟ في هذا المشهد الرائع لاستفاقة المنطقة العربية من سباتها، يبدو انفصال السودان «المحتّم» نشازاً. تقول في نفسك: لو صبروا قليلاً. تنزل تظاهرة سودانية صغيرة تهتف بسقوط البشير. تأخّروا.
سأل المذيع الفرنسي في حلقته الخاصة على «تي في سينك»: هل نحن أمام ربيع عربي؟ لم يقل: ربيع شرق أوسطي. قال عربي، وبلسان أعجمي، هو الذي اخترع عبارة الشرق الأوسط الكولونيالية. هذه هي الكلمة المحرمة. شرق أوسط يسمّوننا علّنا ننسى هويتنا الجامعة. أوسط بالنسبة إلى من؟ للغرب. تصوروا أن ندلّ على أنفسنا انطلاقاً من مكان لا نقف فيه. حتى بالجغرافيا غلط. أوروبا حلمت بالوحدة خمسين عاماً رغم أن لا لغة تجمعها. يخرج الفرنسي من حدوده فيتكلم الألمانية أو البلجيكية أو الانكليزية. ومع ذلك توحّدت أوروبا. يخرج السعودي من بلاده فلا يتكلم إلا لغة الضاد، وصولاً الى تطوان. «ربيع عربي؟» سألوا، وها «نحن» نجيب.
نحن؟ الفاجعة حين يخطر ببالك أن تنتقل الى نشرة أخبار لبنانية. هنا، يبدو المشهد بالمقارنة مع ما تنقله الشاشات الإخبارية عن مصر، برغم ألوانه، كأنه بالأسود والأبيض. كأنه من زمن عربي مضى، مسلسل قديم تعيد الشاشة بثّه. وبدون ألوان تبدو التفاهة صعبة الابتلاع. لبنان «الأعور بين عميان أنظمة المنطقة»، كما نحب أن نطمئن أنفسنا، يبدو على حقيقته اليوم بعدما أبصر عميان المنطقة: أعور.
الشاشات اللبنانية مشغولة بمشاورات التأليف والتكليف، مطالب الحصص والطوائف. توازنات لا مكان فيها لشؤون الناس ومعيشتهم. ولكي يكتمل المشهد؟ تصريحات السفراء، القناصل. الذين كثفوا زياراتهم للرئيس المكلف تأليف الحكومة اللبنانية، وكل يدلي بمطالبه المغلّفة بلغة تنتحل صفة الغيرة على مصلحة اللبنانيين. تقول السفيرة الألمانية إنها حثت ميقاتي على الإسراع في تأليف حكومة لتنفيذ الإصلاح السياسي ومشاريع التنمية التي يحتاج إليها الشعب اللبناني. ما الذي تعرفه هي عن حاجات الشعب اللبناني؟ الشعب اللبناني بحاجة إلى أن تتوقف هي وأمثالها عن التدخّل بشؤونه. سرعان ما تبقّ البحصة: «وللالتزام بتعهداته الدولية» تقول. قلت في نفسي: لم يفهموا بعد. ويسألون: لماذا يكرهوننا؟