القاهرة| هذا هو اليوم العاشر، جمعة الرحيل. كلمة الرحيل تستفز مبارك ورجاله. رجاله يقولون: لا نريد نهاية غير كريمة للرجل، فهو اب و قائد.. هذا ما قاله عمر سليمان، نائب الرئيس، في حديث تليفزيوني، وفي لقاءات متعددة مع ممثلي المعارضة. وهذا ايضا ما يقوله مبارك عندما يسير علي نفس النغمة، ويتحدث بمنطق الاب المهزوم الذي لا يزال خائفاً على اولاده. يقول: «..فاض بي الكيل بعد 62 سنة خدمة للوطن، واريد الرحيل، لكنني اخشى الفوضى».


في الحوار ايضا قال مبارك: «…اذا تركت الحكم… سيحكم الاخوان». لعب عاطفي يأتي في سياق حرب نفسية تحاصر «الثورة العزلاء في التحرير». ثورة تتعرض لخطة عزل محترفة:
1- الحكومة في قمة تهذيبها للمرة الأولى: رئيسها الجديد يعتذر عن هجوم ميليشيات بلطجية فلول النظام في الحزب وجهاز امن الدولة ورجال الاعمال وحاشية مبارك الخائفين من المحاكمات والمدافعين حتى النفس الاخير عن نظام منحهم السلطة والثروة ويحملون من اجله الآن السلاح.
2- سيارات شرطة تمر في الشوارع تستحث «لجان » حماية من نوع يختلف عن لجان الحماية الشعبية (كما كانت في اول ايام الثورة). اللجان الجديدة تقول انها تحمي الوطن من «الثورة» وتمنع مرور المتظاهرين إلى ميدان التحرير، كما تمنع امدادات الغذاء والدواء. يساند هذه اللجان فرق بلطجية يتسلمون حملة الامدادات باعتبارهم «عملاء اجانب»، وأن مراكز الدعم الاجنبي اخترقت الثورة التي وصفها نائب الرئيس بانها «نقية ونبيلة اندس بينها اصحاب اجندات اجنبية وسياسية».
3 - الحملة الاعلامية اتخذت بعدا جديدا في شراستها يصف المتظاهرين في ميدان التحرير بأنهم عملاء (إيرانيون واسرائيليون واميركيون) او عناصر (اخوان وجماعات اسلامية). خليط غريب من اوصاف يفزع الشخص العادي، ويجعله مستعدا في بعض الاحيان للدفاع عن «وطنه» ضد الهجوم الخارجي، وعن قوته ضد «الذين يغلقون ميدان التحرير ويعطلون الدنيا والرزق».
4-عمليات واسعة من افراغ مصر من الاجانب (مراسلون اجانب وصحافيون وموظفو هيئات ومنظات دولية ومندوبو منظمات حقوقية مثل العفو). وبموازاة اخلاء الرعايا، اصبح الاجانب الوحيدون هم «الايادي الاجنبية» التي تنفذ المؤامرة، وتبحث عنهم ميليشيات البلطجية في الكمائن الليلية والنهارية.
5 - هجمات اعتقال غريبة وغامضة استهدفت مراكز حقوقية مثل هشام مبارك والمصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، بغطاء من البلطجية الذين يهتفون: اسرائيليين... اسرائيليين» وتظهر الشرطة العسكرية لتلقي القبض على عدد من النشطاء.
ما جرى أمس بالغ الدلالة. مجازر البلطجية متواصلة، في ظل تقسيم أدوار لافت للنظر بين ثلاثي النظام: حسني مبارك وعمر سليمان وأحمد شفيق، الذين خرجوا إلى الضوء كي يقولوا ما مفاده أنّ كل شيء مباح طالما أن الهدف إحباط «يوم الرحيل».
قال مبارك، في مقابلة لقناة «أي بي سي نيوز» الأميركية، «أشعر بالقوة. لن أهرب أبداً. سأموت على أرض مصر»، وذلك على مسمع من ابنه جمال الذي كان موجوداً في الغرفة أثناء إجراء المقابلة التي دامت نصف ساعة وسط إجراءات أمنية مشددة، بحسب كريستيان أمانبور التي حاورته.
شعر مبارك بالراحة بعد الخطاب الذي ألقاه الإثنين الماضي، لكن «كنتُ حزيناً جداً من أحداث أمس (الأربعاء). لا أريد أن أرى المصريين يقاتلون بعضهم البعض»، محملاً مسؤولية مجازر بلطجيته لـ «الاخوان المسلمين». وترجم مبارك ذروة أنانيته ونرجسيته بقوله «لا أبالي بما يقوله الناس عني. كل ما يهمني الآن هو بلدي. مصر هي التي تهمني».
وبدا واضحاً أن مبارك قرر فعلاً الانتحار إذ ردّ على الدعوات الأميركية له بالتنحي الآن وليس لاحقاً، بالقول للرئيس باراك أوباما «أنت لا تفهم الثقافة المصرية وما يمكن أن يحصل إذا تنحّيت الآن».
في هذا الوقت، كان نائبه سليمان يسجل أكبر ظهور إعلامي له منذ تعيينه، وذلك على التلفزيون الحكومي طبعاً، في مقابلة أدارها إعلامي كان أشبه بشخص مكلَّف تذكير سليمان برؤوس أقلام ما يجب أن يقوله. الرجل القليل الكلام عادة، قال الكثير هذه المرة بنبرة لا تترك مجالاً أمام عدم ملاحظة مدى الأثر الذي تركته تجربته الاستخبارية الطويلة على شخصيته: جميع أطراف المعارضة يريدون الحوار مع النظام. المعتصمون في «ميدان التحرير» ينفذون أجندات مصرية خاصة وأجنبية ومؤامرة لتدمير مصر. جمال مبارك لن يترشح للانتخابات. لا رحيل للرئيس قبل انتهاء ولايته الدستورية في أيلول. سننفذ مطالب الشعب ونعدل الدستور. نرفض تدخُّل دول أجنبية في شؤوننا على شاكلة نصائح وأوامر. مواقف زيّنها بهجوم على فضائية «الجزيرة» القطرية من دون أن يسميها، مكتفياً بدعوة الشعب المصري إلى عدم مشاهدة «بعض الفضائيات المعادية التي تحرّض على تدمير مصر».
قال سليمان إن كافة أحزاب المعارضة «شاركت في جلسة الحوار إلا حزبي الوفد والتجمع اللذين طلبا التأجيل». كما أوضح أنه التقى بممثلين عن معتصمي ميدان التحرير. وعن عدم مشاركة جماعة الاخوان المسلمين، أجاب «إنهم مترددون وهذه الفرصة ثمينة لهم».
وكان لـ «المؤامرة الأجنبية» حيز واسع من إجابات سليمان الذي رأى أن «الموجودين حالياً في ميدان التحرير هم من يتبع وينفذ أجندات خاصة لا وطنية».
في المقلب الآخر، كان أحمد شفيق يحاول تأدية دور الودود القريب من الشعب، مجدداً اعتذاره وحكومته عن عنف اليومين الماضيين ومتعهداً بعدم تكرار ما حصل.
كأنّه لا يعلم شيئاً، فقد تساءل كيف وصل بلطجية مبارك إلى ميدان التحرير ولماذا وبمساعدة مَن؟ وحمّل مسؤولية العنف لبضعة «مشاغبين صبيانيين».