باريس ــ استخلص هنري كيسنجر دروساً من جنوب شرق آسيا تقوم على أنّ «موجة التغيير إذا بدأت فهي تذهب إلى نهايتها»، وتأخذ في طريقها كل «العقبات المشابهة للعقبات التي تصدّت لها في بداية قيامها». وقد برهنت أحداث أوروبا الشرقية وانهيار الكتلة الشيوعية صحة هذا الاستنتاج الذي يعرف بنظرية الدومينو.

واليوم يتساءل كل المراقبين عما إذا كان هذا المبدأ يطبق في المنطقة العربية؟ اليمن بدأت تخطو في المسار الذي ذهبت إليه مصر التي لحقت بدورها بتونس، فيما الحديث جار عن تحركات في الجزائر والمغرب والأردن وموريتانيا، ودعوات عبر المواقع الاجتماعية إلى التحرك في السودان وليبيا.
ويقول أحد الدبلوماسيين الفرنسيين الذين خدموا في عدد من البلدان العربية إن «جميع سكان هذه البلدان تعيش الواقع المدقع نفسه الذي يمكن اختصاره بغياب الحريات والممارسة الديموقراطية إلى جانب مسألة البطالة» التي تصيب الشباب الذين باتوا يؤلّفون نسبة تتجاوز ٦٥ في المئة من المواطنين، وخلص إلى أن «العوامل نفسها تقود إلى نهايات متشابهة»، ولم يستبعد بالتالي أن تتابع نار الثورة سريانها في هشيم الجمود العربي.
بالطبع فإن ثورات جنوب شرق آسيا والحركات التحررية في أوروبا الشرقية ليست متشابهة بأي شكل من الأشكال، إلا في ما يتعلق بتدحرج الأنظمة وترابط مصيرها. لكن ما ميّز مثلاً انهيار الأنظمة الشيوعية هو «حركة الانشقاق»، أكان ذلك في مجال الرياضيين الذين كانوا يهربون عند أول فرصة تسنح لهم خلال تنقلاتهم للمشاركة بالمسابقات الدولية، أم في انشقاق الدبلوماسيين «عند أول إشارات الوهن في السلطة المركزية».
الملاحظ أنه في الحالة التونسية لم تشهد الدبلوماسية سوى حالة انشقاق واحدة قادها السفير التونسي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «الأونيسكو»، مازري حداد، الذي استقال احتجاجاً على «استخدام السلطات العنف ضدّ المتظاهرين»، ورأى أن الأمر «مؤامرة من الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي». أما في الحالة المصرية، فحتى اليوم لم تسجل أي حالة انشقاق رغم أن الآلة الدبلوماسية المصرية تعدّ الأكبر في العالم العربي.
وسألت «الأخبار» أحد الدبلوماسيين المصريين العاملين في أوروبا عن الأوضاع داخل السفارات، فأجاب «نحن لا نعمل لأشخاص بل نخدم دولة مؤسسات». وأضاف «في كل السفارات لا طائفية ولا تفرقة». وشدّد على أن الوضع «ليس فقط هادئاً في السفارات بل أيضاً في الإدارات الرسمية في القاهرة»، مشيراً إلى أن «الجيش أيضاً هو مع الشرعية مثله مثل الموظفين».
ورفض دبلوماسي آخر يتنقل بين العواصم الأوروبية الإجابة عن سؤال حول «واقع العلاقات بين الدبلوماسيين المصريين وزملائهم الأوروبيين» خصوصاً في ظل تغيير الخطاب السياسي لعدد من العواصم الأوروبية. إلا أنه استدرك بالقول «لا تغيير لأن عملنا تقني».
لكن «موظفاً صغيراً» في إحدى العواصم ذكر لـ«الأخبار»، شرط عدم ذكر اسمه، أنه «يستطيع أن يشهد على مستواه الخاص» بأن العمل تراجع كثيراً في الأيام الأخيرة. وأضاف إن «قسم التأشيرات مثلاً لا يشهد أي زيارة».
وفي الأمور السياسية، يبدو الحديث أكثر صعوبة، وخصوصاً أن السمة المعروفة عن الدبلوماسيين المصريين هي «صمتهم الشبيه بصمت أبو الهول». لكن بعض الدبلوماسيين الذين حضروا لمراقبة اجتماع أمني كبير في مدينة أوروبية كبيرة لم يترددوا في توجيه اتهامات إلى كل من «إيران والموساد وأميركا» بتبرير «الفوضى». ويضيفون «الإخوان المسلمون هم المستفيدون الوحيدون» لأنهم سيركبون الموجة. ومع ذلك يعترف هؤلاء بأنه قد يكون بين مؤيدي مبارك بعض «أذناب الحزب الحاكم» أو بعض «المدفوعين من بعض رجال الأعمال»، قبل أن يضيفوا «ولربما بعض رجال الأمن الذين تحركوا من ذاتهم».
ويقرّ هؤلاء بأنّ بقاء عدد من الشباب في ميدان التحرير قد يكون «بسبب خوفهم من العودة إلى منازلهم بغياب الأمن». إلا أنه بدا واضحاً في القول «الدبلوماسية المصرية في الخارج» هي على شاكلة «الوضع في ميدان التحرير»، أي منقسمة بين «مؤيد للشباب ومؤيد للحاكم»، رغم أن «الخطاب الظاهر» هو خطاب مقرّب من المواقف الرسمية عموماً. ويبرّر أحد الموظفين الأمر بأن «الجميع خائفون»، وأن «الكبار يخافون التغيير وعدم التغيير»، ويلوّحون بخطر الفوضى، بينما «الصغار يخافون أن يدفعوا ثمن خوف الكبار».
بالنسبة إلى الجالية المصرية، معظم الذين التقتهم «الأخبار» يقرّون بأنّهم «يتكلمون من دون خوف»، سواء العاملون في منشآت البناء والمتظاهرون في ساحة «الأبرياء» (بلاس دي إنوسان) أو أمام السفارة المصرية. وحسب معلومات متقاطعة، فإن المتظاهرين أمام السفارة تعرضوا «لحملة تدقيق في هوياتهم» على إيدي رجال الشرطة، وألقي القبض على بعضهم لغياب أوراق الإقامة. ويتّهم عدد من المصريين «السفارة بأنها أخبرت الشرطة عدد من هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين» بهدف «ردع الجالية المصرية عن المشاركة في التظاهرات» وهو ما نفته السفارة.