أكاد أراهم جميعاً، كلّ في مكانه الطبيعي. وأنا، التي حلمت معهم طويلاً بهذا اليوم، ورددت معهم طويلاً «مصر هي أمي»، أقبع هنا، في بيتي، في مكتبي في الجريدة، في سريري، أعيش «ثورتنا» عبر الأقمار الاصطناعية. من «المحروسة» الغالية على قلبي، بشوارعها المكتظة، و«ناسها الغلابة»، وحقول فلاحيها التي لطالما حيّرني لون اخضرارها، لا أملك سوى شغف يردّ مخيلتي دائماً إليها.

لا أملك ما أقدمه لهم في ثورتهم الباسلة سوى روحي وعينيّ المرتهنتين لدى قناة «الجزيرة» التي أهلع كلما اختفت صورتها. رغم انقطاع عنهم دام خمس سنوات، لكنني لم أكن أتخيّل أن شيئاً سيتغير. حين رحلت، بدا كل شيء جامداً لا يتزحزح، ولن يتزحزح. كان يأساً ربما، ذلك الذي استفحل بي وأنا أراهم، بعد كلّ تظاهرة يكون الحشد فيها أقل من «قوى الأمن المركزي»، يعودون خائبين. نمضي الليلة متحلقين حول طاولة نرمي عليها كل الإحباطات دفعة واحدة. في تلك الأمسيات، كان النقاش يحتدم بشأن جذر المشكلة: هل الخلل في منهجية عمل التنظيمات السرية التي ينتمون إليها أم في الجماهير النائمة؟ «اللي بيشتغل في أربع وظايف ويا دوب يقدر يوكّل عياله، مش حيكون فيه حيل يصلب طوله ويقول لأ». بدا ذلك مأزقاً لا مفرّ منه.
كل تلك الأمسيات، ولم يتعبوا. كنت أتفرّج عليهم وهم يعاندون كلّ ممنوعات الطوارئ: يحبون ويفرحون ويتظاهرون. بعضهم يعمل على الطريقة التروتسكية في تجنيد عمّال في المصانع. بعضهم ينام ليلتين أو ثلاث في «الحجز» لأنه نزل يدافع عن عائلات طُردت من بيوتها، وسُلّمت شققاً لا تنفع لمبيت كلب، حتى تبني «الست سوزان» مجمعاً سكنياً للـ«بهوات». ذاك كان تامر.
بعضهم ينشط في المنظمات الحقوقية، يرصد كمية من الظلم وأرقاماً عالية من الانتهاكات، ولا يعرف ماذا يفعل بها غير بثّها على موقعه الإلكتروني. ذلك كان جمال.
وانتصار، التي قضت سنوات تدور من محافظة إلى أخرى بحثاً عن «المناضلين الكبار» الذين أُقصوا خلف بطولة وحيدة لـ«صاحب الطلعة الجوية الأولى عام 1973»، تسجّل معهم روايتهم عن أيام الدم والنار، آملة أن تنجز مشروع حياتها في أرشفة «التاريخ الشفهي» للجنود المجهولين. انتصار الرائعة، توصلت بعد سنوات طويلة من العمل في الصحافة والبحث الاجتماعي، ومن صناعة التماثيل الصغيرة وبيعها في شارع الحسين وقت الحاجة، إلى تعليم ابنها الوحيد، وإلى شراء شقة متواضعة في المقطّم لم تنتقل للعيش فيها: ظلت في قلب «الحسين»، في زواريب ليس فيها امرأة غيرها حاسرة الرأس، ولكن، رغم ذلك، يحلف كل «رجالة الحتة» بشرفها. منذ اندلعت ثورة مصر، لم أتّصل بانتصار، المتفائلة أبداً، والشغوفة أبداً، وأول من تنزل إلى التظاهرة رغم أمومتها وسنوات عمرها الأربعين.
لم أتّصل، لأنني لا أعرف ماذا أقول لها الآن. أشعر بالذنب لأنني استسلمت باكراً لليأس من أن يستفيق ذلك الشعب. وأشعر بغليان في دمي لأنني لست هناك، لأشهد صحوة مصر في مقابل ما ذقته من لوعة في حبّها وأنا أراقبها تنازع يوماً بعد يوم في يد الجلاد. ذلك الشعب الطيب الذي لم يفقد روحه، فظلّ دافئاً وحميماً مع الآخر، وظل حضوره يشعّ بحرارة أين منها الحضور البليد والمائع لكثير من البشر. ذلك الشعب الطيّب الذي لم تفسده بعد القيم الفردية التي استوردتها الكثير من البلدان العربية، رغم أنف كل ما يعود به السياح من تذمّر من شعب يعتاش من «الحمد لله عالسلامة يا بيه» أو «كل سنة وانت طيب يا باشا». ذلك الشعب المسيّس بالفطرة، الذي مهما تدّنت ثقافته، يظلّ يملك الحد الأدنى من المعارف، والذي مهما تدنى خطابه، يظل يحمل بعض البلاغة اللغوية، رغم أن كثيرين يعارضون رأيي هذا.
حتى المعلم «نونو»، الكهل السمين الذي يبيع الزهور في الممرّ المعتم والقذر لقهوة «أفتر إيت»، أراه اليوم، ناعساً على كرسيه، عند منتصف الليل، إلى جانب «دهب».
«دهب» الصبية «الجدعة» التي عجزت عن إيجاد فرصة عمل بعد تخرّجها من قسم التجارة في جامعة عين شمس، فافتتحت لنفسها كشكاً في الممرّ لبيع «الكبدة والسجق»، تعول من خلاله والدتها وأخواتها الثلاث الصغار. طبعاً، حقد عليها «سعد الحرامي»، محتكر الغذاء في الممرّ، الذي استغل احتكاره ليبيع روّاد المقهى فولاً مسوّساً لسنوات. ضايقها كثيراً لتغادر، لكن «ابن البلد»، «عمّو فؤاد»، صاحب قهوة «أفتر إيت» حماها. ذلك الصعيدي المتزوّج من أربع نساء كان «يسلّف» خالد، «هتيف التظاهرات» الأشرس من بين رفاقنا، المال، ويؤويه حين يكون هارباً من عناصر أمن الدولة.
من بعد؟ محمد، الذي واظب على تعليم المرأة المسنّة المسؤولة عن التنظيف في المكان الذي يعمل فيه، القراءة والكتابة، وجنّد بعض العمال الذين توصل إلى بناء علاقة جيدة معهم، في التنظيم الذي ينتمي إليه. هو الذي كان مؤمناً بأن المصريين يتحمّلون كثيراً، لكنّ سباتهم، مهما طال، له نهاية: حين يستفيقون، لن يحتوي أيّ كان غضبهم.
حتى أحمد، الذي كنا نتندّر عليه لأنه اعتقل للمرة الأولى وهو في الثانية عشرة من عمره، وطلب من والده حين زاره في السجن أن يأتي له بـ«كورن فليكس».
جميعهم، أذكر وجوههم المضيئة نهار 20 آذار 2004، حين توصلنا إلى «احتلال ميدان التحرير»، احتجاجاً على سقوط بغداد. كانت الشمس توشك على المغيب، وكانوا يدورون فرحين كالأطفال، يودّون لو ينحنون ويقبّلون الأرصفة والشارع. لأول مرة يشعرون أنها لهم. كانوا حلقات. زيزي، التي لا يهدأ تلفونها المحمول استفساراً عن فلان الذي اعتُقل، أو فلان الذي ضُرب، تهمس لي وعيناها مغرورقتان بالدموع قائلة: «والله إحنا شباب زيّ الورد... لازم حيحصل». خلفها بخطوات، يقف مؤمن وهو يلقي على متحلقين حوله قصيدة الشاعر الراحل أمل دنقل، التي حيّا فيها في السبعينيات من يفترشون ميدان التحرير بجوار «الكعكة الحجرية»:
أيها الواقفون على حافة المذبحة /اشهروا الأسلحة/ سقط الموت، وانفرط القلب كالمسبحة/ والدم انساب فوق الوشاح/ المنازل أضرحة، والزنازين أضرحة والمدى... أضرحة/ فارفعوا الأسلحة واتبعوني/ أنا ندم الغد والبارحة/ رايتي: عظمتان وجمجمة
وشعاري: الصباح.
أصدقائي، المجد لكم، مهما طال المخاض...