القاهرة ــ الأخبار

«أوعى تقرَّب... الإخوان ركبوا النهارده». انتشرت الشائعة مثل النار: «إنه يوم الانقلاب». «جماعة الإخوان سيحوّلونها ثورة إسلامية» ويعلنون دولتهم من ميدان التحرير. فوبيا الإخوان تاريخها قديم. الجماعة بديل النظام، «خرافة» عاش عليها النظام طويلاً أمام الغرب والقوى الكبرى منه، وحوّلها إلى «حقيقة تاريخية» محفورة في أذهان جمهور واسع من المصريين، وخصوصاً الأقباط أو القطاعات المدنية من الطبقة الوسطى البعيدة عن المزاج الريفي.
الدعاية المنظّمة من أجهزة الدولة رتّبت الحكاية كما يأتي: أولاً: التظاهرة خرجت باستجابة نقية بريئة من شباب الـ«فايسبوك» لتطالب بالتغيير. ثانياً: التظاهرة نجحت وعرفت الدولة ما يريده الشعب. ثالثاً: لكن حدث اختراق للتظاهرة ووُجِّهت بحسب أجندات خاصة، مرة تكون داخلية مثل «الإخوان المسلمين» ومرّة مؤامرة خارجية تمثل خليطاً لا يجمعه منطق. لكن دعاية حسني مبارك تتّهم بالفعل أيادي أميركية وإسرائيلية وقطرية وآسيوية وفلسطينية وإيرانية، بإشاعة الفوضى عبر التظاهرات.
ركوب «الإخوان» لعب على التجارب السياسية القديمة حينما كانت الجماعة «بعبعاً» يفسد التحالفات والجبهات السياسية، عبر ألعاب تضع التحالف في جلباب «الإخوان».
تجارب مؤلمة وضعت الجماعة في موضع الشك والريبة، وخصوصاً أنهم التنظيم الأقوى لأنه يعمل سراً. خطاب الجماعة يملك سحر المقدَّس، ويعزف على وتر لحن المؤمن المخلص الذي لا يؤدي فروضه فقط، بل يصنع دولة على «كاتالوغ» السعادة النهائية.
ولأن النظام أغلق مقار الأحزاب وصادر حرية حركتها في مقار صغيرة، كان الطريق مفتوحاً للوصول إلى المساجد، والحشد بخطاب رنان عن «عودة المجد الإسلامي» يضخّم حجم الجماعة الباقية وحدها رغم تغيُّر العصور. ولأنّ أنظمة ما بعد ثورة 1952 شرعيتها عرجاء، فهي تبحث عن الشرعية الدينية. ولأنها بحاجة لحليف أو شريك ديني غير معلن، فهذا ما فعله أنور السادات ومن بعده مبارك الذي كان «الإخوان» معارضته المختارة، يتركهم يعملون في هامشه ويعرف أنه سيُخرج في وجههم وقت الضرورة بطاقة الحظر. هكذا تحولت «الإخوانوفوبيا» لدى أحزاب وحركات سياسية، أحد أسباب فشل التحالفات بين أجنحة المعارضة.
«الإخوان» لا يثبتون على اتفاق، ويتحيّنون الفرصة للسير خطوة في ظل أنظمة تحاصرها وتطارد عناصرها في حرب طويلة. حالة «الإخوان» ظلّت على غموضها إلى أن منحتها ثورة ٢٥ كانون الثاني الماضي نفقاً جديداً، ولا سيما بعد هزيمة ساحقة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وكان رد فعلها معدوماً تقريباً.
تأخرت الجماعة في الاستجابة، لكنها عندما اكتشفت أن أطفال «الفايسبوك» فعلوها، شاركوا في هدم أسوار قلعة مبارك التي أحاط بها شعب مصر. ظلّ ركوب الإخوان هاجس منظّمي ثورة ٢٥ كانون الثاني وجمهورها الذي لا يريد أن يكون جسراً لوصول الجماعة إلى السلطة.
المنظّمون حلّوا هواجسهم بالاتفاق: لن يظهر الإخوان كتلةً داخل الثورة وسينفذون مهمات لوجستية (الحماية وما شابهها) مع عدم رفع الشعارات الدينية أو كل ما يشير إلى حلمهم في الخلافة. ظل الجمهور قلقاً وخاصة كلما كان الموعد محدداً بعد صلاة الجمعة، حيث يكثر الجمهور التقليدي للجماعة. وفي المرّتين (جمعة الغضب وجمعة الرحيل) التزم الإخوان، لكن لم ينته الشك وخصوصاً بعدما بدأت الدولة نغمتها المفضلة «إنهم يلعبون تحت أجندة الإخوان». وكان في مشهد الصلاة ما يشير إلى حضور كثيف اختفى بعد توافد العناصر المدنية، وبقي أصحاب المهمات اللوجستية. وجود الإخوان منحته ثورة ٢٥ كانون الثاني فرصة الدخول في الكرنفال السياسي المصري.
«الإخوانوفوبيا» منعت الكثيرين من الانضمام إلى «جمعة الرحيل»، لكنها سارت في طريق قبول التعدّد السياسي للمرة الأولى في تاريخ السياسة في مصر.