القاهرة ـ الأخبار

تدفق أمس الملايين الى ميدان التحرير، يحملون سجادات الصلاة لأداء صلاة «جمعة الرحيل». لم يستجيبوا لتحذيرات إعلام النظام الفاسد، ولا حتى لتحذيرات «شيوخ» المساجد الرسميين الذين تفرّغوا عقب أول صلاة لترهيب من سيخرج للتظاهر في ميدان التحرير.
المثير كان أن كثيرين رغبوا في إلقاء خطبة الجمعة في الميدان، حتى إن الشيخ محمد حسان عرض أن ينتقل إلى هناك لإلقاء الخطبة، ولكن المتظاهرين رفضوا طلبه، خاصة أنه خرج في الأيام الأولى منذراً ومحذراً من يخرج على الحاكم. واستضافه التلفزيون المصري على شاشته مرّة أخرى ليكرّر كلامه ويصف الاحتجاجات بأنها لا تؤدي إلى حل مشكلاتنا.
ولكن حسان تراجع في ما بعد عما قاله، وخرج كي يدين الاعتداءات التي تعرّض لها المتظاهرون يوم الأربعاء الماضي. وبعدما رفض المتظاهرون أن يؤمّهم حسان، اقترح أن يخرج شيخ الأزهر أحمد الطيب ليخطب هو بنفسه في المتظاهرين، وألا يخاف من «ترك المناصب لأنها لا تدوم».
ولكن يبدو أن رسالته لم تصل إلى الإمام الأكبر الذي فوجئ باستقالة المتحدث الرسمي باسمه، محمد رفاعة الطهطاوي، احتجاجاً على موقف المؤسسة الدينية الرسمي المتخاذل تجاه احتجاجات شباب التحرير. وقال الطهطاوي إنه سيظل في الميدان حتى رحيل مبارك.
أما المتظاهرون، فاختاروا أن يؤمهم الشيخ جمال قطب، رئيس لجنة الإفتاء السابق بالأزهر، وهو ما ينفي الشائعة التي أطلقها الإعلام الرسمي بأن خطيب «جمعة الغضب» في الميدان سيكون المرشد العام للإخوان.
لم تزد خطبة قطب على 8 دقائق، دعا فيها المصلين للثبات حتى تحقيق النصر، والتمسك بأهداف الثورة الشبابية، والإصرار على إنجاحها والتماسك حتى تتحقق مطالبها. وحذّر المصلين من قبول الدعاوى التي تطالبهم بترك ميدان التحرير والعودة إلى منازلهم، وشدّد على أن هذه الثورة لا يحتكرها حزب أو جماعة معينة، «ولا تهدف إلاّ إلى تحقيق الحرية لمصر وطننا الغالي الذي نعشق ترابه».
وأشار قطب إلى أن مطالب المتظاهرين واحدة هي رأس النظام والحرية والعدالة، مضيفاً أن «المتظاهرين حققوا أخلاق الرسول محمد والمسيح، ولم يظهر منهم أي عمل تخريبي أو اعتداء خلال تظاهرهم». كما طالب الخطيب بالإفراج عن جميع المعتقلين، الذين أُلقي القبض عليهم خلال أيام ثورة الغضب، وإلغاء قانون الطوارئ «الذي هو نقطة سوداء في تاريخنا». وتابع «لا للظلم، لا للاحتكار، لا للمهانة، لا لما ترفضه الأخلاق».
وقال الشيخ «نحن حركة مصرية، ليس لنا أي حزب يعبّر عنا أو عن مطالبنا، الكل جاؤوا إلى الميدان مسلمين ومسيحيين. ومن يرد أن يفاوض فعليه أن يأتي إلى هنا ويتكلم معنا». وقد صلى المتظاهرون الأقباط في الوقت ذاته على أرواح الشهداء الذين اغتالتهم أجهزة الأمن وبلطجية الحزب الحاكم. وما هي إلا ثوانٍ على انتهاء الصلاة حتى أطلق المصلون المتظاهرون العنان لهتافاتهم بحماسة منقطعة النظير، مع لازمة تتكرّر بين هتاف وهتاف هي «ارحل ارحل».
وسجل مدخل كوبري قصر النيل الى ميدان التحرير بعد الصلاة دفقاً كبيراً لقادمين جدد أرادوا المشاركة في «جمعة الرحيل». كان قسم كبير منهم من الطبقات المتوسطة والميسورة.
في المقابل، التزمت بقية مساجد مصر بالخطبة التي يبدو أن أحد ضباط أمن الدولة قد كتبها لهم والتي اشتملت على التهديد والوعيد لمن يخالف الحاكم الذي هو أب لكل مواطن، والله تعالى يقول: ولا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما، بينما شعارات المتظاهرين تتجاوز الـ«أُف»!