القاهرة ـ النظام صامت. جمعة الرحيل نجح. ومبارك لم يتحرّك من مكانه، ولا قدّم أركان نظامه سوى طلب المزيد من التفاوض. لجنة الحكماء عبرت اليوم الميدان وسط ترحيب بنجومها (خاصة عمار الشريعي الذي دافع عن الثورة في قناة دريم وفي قلب الحملة المضادة). ربما تبحث عن شرعية، أو تلوّح بها قبل أن تجلس مع عمر سليمان نائب الرئيس. كل منهما يبحث عن مخرج بعدما وصل الأمر إلى لعبة عضّ أصابع بين النظام والثورة التي تعيد المجتمع وقوّته إلى معادلة السلطة.

النظام يريد أن يستوعب صدمة جمعة الغضب، وبدا مرتاحاً بعدما وصل إلى قرار: اتركوا التظاهرة آمنة. ميليشيات البلطجية تنتشر على بعض المحاور، لكن الأمن أكثر تشديداً من يوم وقعة الجمل (عندما هاجم خيالة وراكبو جمال المعتصمين في اليوم الثامن).
جمعة الرحيل كان مفاجأة جديدة. نجحت رغم أنها في اليوم الحادي عشر والنظام يتنازل بالتقسيط، بينما الشباب مضغوطون من ألف اتجاه:
1- غارات البلطجية التي كانت ذروتها يوم الأربعاء... وتستمر يومياً في إطار «استنزاف» طاقة المعتصمين، وإرهاق جهازهم العصبي، ووضعهم دائماً في حالة الخطر.
2- حصار اجتماعي من صغار التجار والموظفين بعد رسائل إعلامية تسري بين قطاعات متعددة مفادها أن المعتصمين في ميدان التحرير شياطين، تحرّكهم الأجندات الغربية والعربية.
3- خديعة استعاد بها العناصر الأمنيون الرسميون التحكم في محاور الطريق إلى ميدان التحرير، بملابس مدنية، وفي هيئة لجان حماية شعبية.
4- فوضى قيادة: كعادة الثورات الشعبية... من هذا النوع حيث لا قائد واحداً متفق عليه، ولا سقف للقيادة والمطالب.
4- عناد شخص وعدم رغبة نظام في الاعتراف بالهزيمة... أو بالتغيير.
بين الفرح واليأس تمرّ الأيام والليالي في ميدان التحرير، بحثاً عن شحنات إيجابية تجاه بناء علاقة جديدة بين النظام والمجتمع، بانتظار كلمة واحدة: غادر المقعد. في الانتظار شعور بقوة النظام التي تجعل من الرئيس قوة مقدسة، يصعب اقتلاعها، وتروج أجهزة البروباغندا لأفكارها في حقن متداولة:
1- هل يمكن أن تطرد أباك بعد كل ما فعله من أجلك.. من البيت.. حتى لو أخطأ؟
2- كلها 5 أشهر ويتغير كل شيء، وتكون مغادرته طبيعية.
3- الرئيس قدّم كل ما طلبه الشباب... ماذا يفعل أكثر من هذا؟
4- المؤامرة الأجنبية ستفجّر مصر وتخرب أرضها وتنشر الفوضى (لماذا؟ ولمصلحة من؟ لا أحد يسأل لأن الوقوع في أسر الخطاب الخرافي لا يستدعي العقلانية أو غيرها).
5- ألقينا القبض على... (حماس.. وإسرائيليين.. وأفغان.. وإيرانيين.. ويهود..). هذه لازمة يختار منها راوي الحكاية من دون أن يحدّد موقعه: هل هو ضابط أمن أم مجرد شريك في حماية أحد الحواجز؟ إنها خديعة توسّع بها الدولة الأرض من حول الثورة بعودة «كمّاشة الأمن» وبلجان الحكماء ووفود المتفاوضين. الدولة ليست سهلة، وتدافع عن وجودها بكل ما تملك. لا تزال أجهزتها القديمة (أمن الدولة)، رغم تلقّيها ضربة قوية في 25 يناير، في الخدمة، وبأساليبها البالية. لكنها تتراجع، وتفعل ما لم يكن في خيالها أن تفعله، إلى درجة أنها تعلن بنفسها أنها طلبت الحوار مع «الإخوان المسلمين» وأن الجماعة مترددة.
كل هذا التراجع لكي لا يصل المتظاهرون إلى الطلب الكبير: رحيل مبارك.
في هذا الوقت، كانت المواقف الدولية تزداد حدّة حيال حسني مبارك. من واشنطن إلى مدريد وباريس وبروكسل... مطالبات بخروج سريع لمبارك من الحكم. لعل الموقف الأكثر لفتاً للنظر ذاك الذي صدر عن الرئيس الأميركي باراك أوباما. قالها بوضوح: عليه الاستماع لصوت المتظاهرين. وأضاف، ردّاً على تقارير بأن الولايات المتحدة تعمل على خطط لإقناع الرئيس المصري بالتنحّي عن منصبه، أن تفاصيل الانتقال السياسي سيضعها مصريون، وأن هناك «مناقشات قد بدأت حول ترتيبات انتقال السلطة». وتابع أن «على الرئيس المصري أن يسأل نفسه: كيف لي أن أترك مصر وتكون هناك عملية إصلاح؟ يحدوني الأمل بأن يتوصل مبارك الى الجواب الصحيح». وأشار إلى أنه أجرى اتصالين هاتفيين بمبارك، وأكد له أن مستقبل مصر «بأيدي المصريين وليس بأيدينا». وقال «نستمر في القول بوضوح إننا نعارض استخدام العنف في هذه الأزمة. رأينا عمليات عنف وتنكيل» في مصر، مؤكداً أن «هذه الأمور غير مقبولة والهجوم على ناشطي حقوق الإنسان والمتظاهرين غير مقبول».
كذلك، ظهر موقف الاتحاد الأوروبي صارماً مع مبارك، بعدما انتقل القادة الأوروبيون من المطالبة بانتقال السلطة في مصر «فوراً» إلى التهديد بقطع المساعدات الاقتصادية.
وقال الزعماء الأوروبيون، في بيان صادر عن قمة في بروكسل، إن «العملية الانتقالية يجب أن تبدأ الآن». وأشار القادة إلى أن «علاقات الاتحاد مع مصر يجب أن تكون قائمة على أساس المبادئ التي ينصّ عليها اتفاق الشراكة» المبرم عام 2001 و«الالتزامات التي قُطعت في هذا الصدد»، ملوّحين بذلك بالتهديد بإعادة النظر في بنود هذه الاتفاقية، التي تتيح لمصر الحصول على مساعدة اقتصادية أوروبية كبيرة.
ومن طهران، ألقى مرشد الثورة علي خامنئي خطبة الجمعة بلغة عربية، أثنى في خلالها على «ثورات الشباب في تونس ومصر التي انفجرت غضباً مقدساً في وجه العملاء والطغاة بعدما خانوا القضية الفلسطينة»، واصفاً إياها بامتدادات الثورة الإيرانية قبل 30 عاماً. وقال إن التاريخ لن ينسى أن «حسني مبارك هو الذي وقف بنفسه بقوة الى جانب إسرائيل وأميركا في حرب إسرائيل على غزة» وما فرض عليها من حصار ظالم. ودعا الشعب المصري الى التماسك، محذراً إياه من أن «العدو يسعى بأنواع أساليب المكر أن يفتت تلاحمكم».