باريس ــ يستعدّ رئيس بلدية باريس برنار دولانويه، المولود في تونس، لطرح مشروع إطلاق اسم «محمد البوعزيزي» على إحدى ساحات المدينة، تلبية لمطالب عدد من الناشطين الشيوعيين والخضر. دولانويه قال إن باريس «معروفة بارتباطها الدائم بقيم الحرية والديموقراطية»، مضيفاً إن «المدينة وممثّليها المنتخبين يرحّبون بالتحية إلى ذكرى الشاب الذي أحرق نفسه في ١٧ كانون الأول (الماضي)» احتجاجاً على وضعه البائس في تونس وفساد السلطة. وبموازاة هذه الرمزية التي يريد الناشطون الفرنسيون في مجال حقوق الإنسان إعطاءها للبوعزيزي، فإن الانتقادات الموجهة للحكومة الفرنسية لم تهدأ حتى اليوم، مع تراجع الخطاب الفرنسي في ما يتعلق بـ«تخلّي الرئيس حسني مبارك عن الحكم». انتقاد جسّدته سلسلة تظاهرات، شارك فيها مصريون وفرنسيون من أصول مصرية، إضافة إلى تونسيين وجزائريين وعدد من الجاليات العربية.

تحركات طرحت أسئلة عن «قدرات الدبلوماسية الفرنسية والأوروبية» على قراءة أحداث دول تشاطر القارة الأوروبية مياه البحر المتوسط. التغييرات في فرنسا بدأت مع تعيين بوريس بوالون سفيراً في تونس. وهو يعدّ مقرّباً من الرئيس نيكولا ساركوزي، ويعدّ من أهم المستعربين الضليعين في اللغة العربية، وأصغر السفراء سنّاً (٤١ عاماً)، ما يدلّ على الرغبة في فهم «ثورة الشباب»، بحسب أحد الدبلوماسيين الذي دعا إلى «إعادة تغيير شاملة لطريقة دراسة وتحليل ملفات وقضايا الشرق الأوسط والمغرب العربي». وكان الدبلوماسي المخضرم، السفير الأسبق في تونس، إيف أوبان دو لا ميسوزيار، قد شدد على ضرورة أن «تعطي باريس آذانها لتطلعات الشعوب العربية وخصوصاً الأجيال الشابة».
وأكد لا ميسوزيار، لـ«الأخبار»، ما سبق أن نشره في الصحف من أنه «حذّر الكي دورسيه مراراً من الوضع القائم في تونس»، وكتب تقارير شرح فيها حقيقة الوضع. وأضاف «ليس فقط الدبلوماسيون الأميركيون من أرسل برقيات تحذيرية»، في إشارة إلى برقيات «ويكيليكس». الانتقادات انسحبت أيضاً على ساركوزي «الذي كبل يديه بنظام مبارك» عندما جعله «الشريك الأساسي للاتحاد من أجل المتوسط». ويقول لا ميسوزيار «إن الخطأ الأكبر كان وضع كل الرهانات على مصر».
التساؤلات نفسها تطرح في جميع العواصم الأوروبية بعد الكشف عن مساوئ النظام المصري، وتوافق الزعماء الأوروبيين على ضرورة تغييره. فقد طالب قادة دول الاتحاد الأوروبي ببدء عملية انتقال ديموقراطية للسلطة «الآن»، مع «وعد بإعادة النظر في سياستهم إزاء العالم العربي»، وذلك رداً على الاتهامات الصادرة عن مواطنيهم وصحفهم بشأن «التواطؤ مع النظم الاستبدادية». كل هذا لم يصل إلى مستوى «مطالبة مبارك بالتنحي». فالرئيس ساركوزي قال «المهم هو أن يجري الانتقال الديموقراطي من دون تأخير»، قبل أن يضيف «لكننا سنترك المصريين يقررون من سيقودهم وكيف». واكتفى رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون بالإشارة إلى أن «العديد من الالتزامات الواردة في اتفاق الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي ظلت حبراً على ورق»، وهو تلميح إلى إمكان قطع المساعدات الأوروبية للنظام المصري (٥٠٠ مليون يورو). وكما يحصل عند كل أزمة دولية، فإن وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون تتعرض لكم من الانتقادات لـ«تأخرها في التقاط إشارات الأزمة»؛ فهي ستصل إلى مصر بعد ١٠ أيام من وصول المبعوث الأميركي فرانك ويزنر.
وذكر دبلوماسي أوروبي أن «ربط العربة الدبلوماسية الأوروبية بالقاطرة الأميركية يمكن أن ينعكس سلباً في السنوات المقبلة، فواشنطن لم تغيّر سياستها تجاه مصر كعنصر مهم في استراتيجيّتها الشرق أوسطية». ويضيف «المفروض هو تغيير نمط التعامل مع جنوب المتوسط ليس فقط على مستوى الدبلوماسية، بل أيضاً تغيير النظرة إلى شعوب هذه المنطقة التي أثبتت أنها دخلت العولمة من بابها الكبير»، وبات من الواجب أخذ مطالبها المشروعة في «الحرية والمعاملة على قدم المساواة» بعين الاعتبار.
ويرى عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين ضرورة «فك ارتباط الدبلوماسية الأوروبية عن الأميركية»، لأنه رغم تقارب الأهداف في المنطقة، وهي «أمن إسرائيل وتأمين سبل وصول الطاقة ومواجهة الحركات الإرهابية»، إلا أن المقاربة مختلفة جداً. ويقول أحدهم إن «جميع الأنظمة التي تترنّح اليوم هي أنظمة مقرّبة من الغرب»، وإن الكره العربي لـ«العم سام» يجب ألا ينتقل إلى القارة العجوز.




باريس تعلّق مبيعات الأسلحة

نجحت ثورة الشباب في مصر في انتزاع الاعتراف والإعجاب بها من كل العواصم التي كانت مؤيدة على مدى عقود للنظام المصري، مؤكّدة من جديد ضرورة الانتقال الديموقراطي للسلطة.
وفي باريس، أعلنت أوساط رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون أن فرنسا علقت اعتباراً من 25 كانون الثاني الماضي مبيعات الأسلحة ومعدات الحفاظ على الأمن إلى مصر بسبب حركة الاحتجاج.
وفي ما يتعلق بالعتاد الحربي، أوضحت المصادر نفسها أن القرار «اتخذ في أثناء اجتماع خاص في 27 كانون الثاني»، مؤكّداً بذلك معلومات وردت على الموقع الإلكتروني لصحيفة «لوموند».
وبالنسبة إلى معدات حفظ الأمن، وخصوصاً القنابل المسيلة للدموع، قال المصدر إن مصلحة الجمارك علقت بيعها في 25 كانون الثاني.
وقال رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان: «يجب القيام بانتقال ديموقراطي في خلال أسرع وقت. وإذا تحقق ذلك، فإنني أعتقد أن الشعب سيقبل بكل تأكيد هذه النتيجة»، معرباً في الوقت نفسه عن دعمه للتظاهرات المناهضة للنظام في مصر.
بدورها، دعت وزيرة الخارجية الإسبانية، ترينيداد خيمينيث، في حديث لصحيفة «لوموند» السلطات المصرية إلى أن تقوم بمبادرة لإنهاء الأزمة عبر إجراء انتخابات رئاسية في شهر حزيران بدل الموعد المقرر في أيلول. ورأت أن «مصر بلد أكبر وأكثر تعقيداً، ما يجعل التوصل إلى حل (فيها) أكثر صعوبة من تونس». وأعربت عن أملها «ألا تتخذ هذه النزاعات طابعاً إيرانياً».
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي، أ ب)