واشنطن ــ بدأت الولايات المتحدة، على نحو واضح، تنفيذ سياسة جديدة إزاء الانتفاضة الشعبية المصرية، تقوم على «تنفيسها» وعدم تحقيق هدفها بإحداث تغيير جذري على صعيد السياسة الخارجية لمصر. واشنطن حسمت خيارها بإبقاء نظام حسني مبارك من دون رأسه، وذلك لاستبداله بنائبه عمر سليمان مع إدخال تغييرات تجميلية لا تمس جوهره، والحفاظ على ولاء الجيش الذي ترتبط قيادته العليا عضوياً بالولايات المتحدة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وتشير البيانات التي أدلت بها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، في مؤتمر الأمن الأوروبي في ميونيخ، إلى انتقال الإدارة من سياسة المراوحة في التعامل مع تطورات الوضع في مصر، إلى انتهاج سياسة تقوم على دعم نائب الرئيس عمر سليمان باعتباره رجل أميركا الحالي، ودفعه إلى تنفيذ برنامج «إصلاحي» لتنفيس الانتفاضة الشعبية، مع بقاء مبارك في موقع رمزي من دون أن تكون له صلاحيات تنفيذية حتى نهاية ولايته في أيلول المقبل. وحجة الأميركيين في مخططهم أن سليمان وعد المسؤولين الأميركيين، وخصوصاً كلينتون ونائب الرئيس جوزف بايدن، بأنه سينفذ عملية «انتقالية منظمة» تشتمل على إصلاح دستوري يسبقه حوار مع الأحزاب والقوى المعارضة.
ومن أبرز علامات تغير الموقف الأميركي، دعوة كلينتون، في ميونيخ، المصريين إلى التحلي بالصبر لأن التغيير «سيستغرق بعض الوقت»، وهي تصريحات تلت تشديد مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى مصر فرانك ويزنر، على ضرورة الإبقاء على مبارك في الوقت الحالي «على الأقل حتى ينفذ الإصلاحات الدستورية».
ودفع تصريح ويزنر، المرتبط وعائلته بعلاقات تجارية واسعة مع آل مبارك، الإدارة الأميركية إلى محاولة النأي بنفسها عنه، إذ سارع المتحدث باسم وزارة الخارجية فيليب كراولي إلى التأكيد أن ويزنر «قام بمهمته إلى القاهرة كمواطن خاص، ولم يكن يتحدث باسم الحكومة الاميركية». غير أن كراولي لم ينف أن ويزنر قدم تقريراً مفصلاً عن زيارته المصرية لأوباما وطاقمه للأمن القومي والسياسة الخارجية يوم الجمعة.
ويرى خبراء في شؤون السياسة الخارجية الأميركية أن الاستراتيجية التي ينتهجها البيت الأبيض تجاه الوضع في مصر تتبدل حسب تسارع التطورات والظروف، على قاعدة أن واشنطن «تحاول التعامل مع تنحّي مبارك كمجرد عنصر واحد من عملية أكبر لضمان انتقال السلطة».
ويقدّم المسؤولون الأميركيون يومياً مزيداً من الإشارات، إلى اعتمادهم على سليمان بوصفه رجلهم في هذه المرحلة؛ فإلى جانب اتصال كلينتون به، فعل بايدن الشيء نفسه يوم السبت، وسأله عن التقدم الذي تحقق على صعيد بدء مفاوضات شاملة لنقل السلطة في مصر إلى حكومة ديموقراطية.
وعن المعنى الأميركي لـ«الانتقال السلس والسلمي للسلطة»، أجاب مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية الأميركية بأنه «لا يمكننا إملاء معنى الانتقال المنظم للسلطة، لكن حان الوقت لكلا الطرفين حتى يشمّرا عن سواعدهم. على الحكومة أن تقوم ببعض الخطوات، لكن على المعارضة أيضاً أن تكون راغبة في المشاركة في المفاوضات».
كلام ترجمه المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس عندما أعرب عن ثقته بأن «أكبر خطوة ندفع إليها هي أن تبدأ الحكومة بالمفاوضات، وأكبر دور نؤديه هو أن نشجع حكومة مصر على المشاركة في هذه المفاوضات مع المتظاهرين الذين يخرج المزيد منهم إلى الشارع».
وفي السياق، كشفت مصادر مطلعة أن المسؤولين في البيت الأبيض يسعون في اتصالاتهم الهاتفية مع سليمان، إلى دفعه لتجاوز مبارك وتصفية دوره التنفيذي قبل أيلول المقبل. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين مصريين وأميركيين اعترافهم بأن سليمان وغيره من القادة العسكريين «يناقشون خطوات للحد من سلطة مبارك في اتخاذ القرارات، وربما نقله من القصر الرئاسي (قصر العروبة) في القاهرة، وإن لم تُنزع منه الرئاسة مباشرة». وكشف مسؤولون أميركيون عن أن من بين الأفكار المطروحة، انتقال مبارك إلى منزله في شرم الشيخ أو التوجه إلى ألمانيا في إجازة طبية يخضع فيها لفحوص مطولة. خطوات قد تكون «مدخلاً لخروج يحفظ فيه مبارك ماء وجهه، ولا يعود لاعباً سياسياً مركزياً، فيما يلبي في الوقت نفسه جزءاً من مطالب المتظاهرين».
وفي الوقت الذي تشجع فيه الولايات المتحدة سليمان وكبار قادة الجيش لإجراء محادثات مع المعارضة، تتناول «الوساطة الأميركية» كيفية انفتاح النظام السياسي، ووضع قيود على الرئيس وبعض المبادئ الديموقراطية الرئيسية قبيل موعد انتخابات أيلول. لكن «لا يمكن أن يحصل أي شيء من هذا إذا بقي مبارك في مركز السلطة، ولكن هذا لا يتطلب بالضرورة مغادرته منصبه الآن»، على حد تعبير مسؤول أميركي.
وقد لوحظ أنّ أوباما وكبار مساعديه تجنبوا الدعوة المباشرة إلى تنحي مبارك، لكنهم في الوقت نفسه أوضحوا أنهم لن يعارضوا اتخاذ الرئيس مثل هذا القرار. وبحسب المعلومات، فقد نصحوه بالتنحي جانباً على الأقل، بينما تنخرط الحكومة وسليمان في حوار مع المعارضة.
في المقابل، لم ينف البيت الأبيض ما أوردته «نيويورك تايمز»، حيث لمّح مسؤول في البيت الأبيض إلى أنّ الولايات المتحدة تدرس سلسلة من الخيارات لإقناع مبارك بالتنحي بما يضمن نزع فتيل المواجهة في القاهرة. وقال المسؤول: «من الخطأ القول إن هناك خطة واحدة يجري التفاوض بشأنها مع المصريين».
ونقلت شبكة «سي أن أن» عن مسؤول مصري تأكيده أن الولايات المتحدة أظهرت دعماً لخريطة طريق الانتقال إلى الديموقراطية مع نهاية ولاية مبارك، من دون أن ينسى كيف أن دعوة أوباما إلى انتقال منظم للسلطة «يتعارض مع دعوته إلى انتقال فوري لها».
ولفت المسؤول إلى أن مبارك «أفل نجمه في السياسة المصرية، لكن إطاحته فوراً ستضفي ضبابية على العملية السياسية، ما سيحول دون إجراء الانتخابات الحرة والنزيهة» التي يطالب بها الشعب. ورأى المسؤول نفسه أن العالم يشهد «مرحلة تنتهي فيها حقبة مبارك، سواء الآن أو في أيلول، وهذا أمر مهم لم يحصل في المنطقة منذ وقت طويل». غير أنّ الإشارات المختلطة التي تصدر عن واشنطن تغذّي القلق في مصر من أنّ إدارة أوباما أدارت ظهرها لجوهر مطالب الانتفاضة الشعبية، وهو ضرورة رحيل مبارك؛ ذلك أن مجمل الاقتراحات التي يتداولها المسؤولون الأميركيون لا تتضمن استقالة مبارك أو إعلان تنحّيه بالكامل، وهو ما من شأنه تهديد كسر إصرار الشعب على عدم التفاوض مع أي من أطراف النظام ما لم يترك مبارك الرئاسة.
ويبرّر مسؤولون أميركيون السياسة الحالية للبيت الأبيض بإبقاء مبارك حتى انتهاء ولايته، بالرغبة في عدم خلق «مشاكل دستورية تؤسِّس لفراغ سياسي»، علماً بأن الدستور المصري يوفّر المخرج القانوني لتنحية مبارك؛ إذ ينص على تسلم رئيس مجلس النواب السلطة أقله اسمياً في حال استقالة الرئيس.
وأوضحت مصادر مطلعة أنّ أوباما، الذي تلقى نصيحة من مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض يوم 29 الشهر الماضي بضرورة الطلب من مبارك بالتنحي فوراً، عاد وسمع نصائح مختلفة في مشاوراته الهاتفية مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والملك السعودي عبد الله. مشورة تفيد بضرورة منح مبارك «فرصة البقاء» حتى نهاية ولايته على الأقل.
ويرى عدد من الخبراء في السياسة الخارجية والشأن المصري أنه خلافاً لما قاله أوباما يوم الجمعة عن أن الضغط لا يجدي في إنهاء الانتفاضة، فإن لدى إدارته، بما لها من نفوذ داخل المؤسسة العسكرية المصرية، القدرة على المساعدة في حسم وضع السلطة في مصر. غير أن الأميركيين يخشون تخلخل «ولاء» القيادات العسكرية الكبيرة في الجيش بعد رحيل مبارك، بدليل أن «بإمكان عمر سليمان إزاحة مبارك بأساليب عديدة».
ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين وصفهم لهيئة الأركان المصرية بأنها «موحّدة حول دعم مبارك ووزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي»، على قاعدة أنه «إذا كنتَ جنرالاً في الجيش المصري، فإنك بالتأكيد موالٍ لمبارك. هو الذي اختارك ورقّاك».