اليوم الثالث عشر لم يكن نذير شؤم كما تقول الخرافات المصرية، لكنه بداية مرحلة جديدة في ثورة النيل. مرحلة الصراع بين الثورة والشرعية الدستورية، رغم أنّ الثورة لا تقف عند إشارات مرور، بل تعيد هندسة الشوارع. مرحلة بدأ فيها الصراع بين الميدان والماريوت. في الميدان التظاهرة، وفي فندق الماريوت التفاوض.


اليوم هو يوم الصراع بين التظاهرة والتفاوض. يوم الصراع على المفوض للكلام باسم ثورة ٢٥ كانون الثاني، وعلى قدرة التفاوض على فض ميدان التحرير، الذي أصبح رغم الدعاية السوداء في تلفزيونات الحكومة، مزاراً شعبياً، يضيف إليه كل يوم جمهوراً جديداً يجري تثويره عبر شحنات ومزاج ثوري.
في الميدان تجمّع أكثر من ربع مليون متظاهر، في يوم الشهداء (2 مليون حسب قناة الجزيرة).
في الميدان: صلاة غائب على شهداء الثورة، صلوات مسيحية، أعراس وطقوس زواج، هايد بارك للآراء والمواقف السياسية، ومولد رمز للاحتفالات الشعبية ودوائر الغناء والرقص وبيع وشراء وعربات طعام شعبي.
نجح الميدان في التحول إلى كرنفال لم تتجمّع قوى سياسية في سياقه من قبل. هذه هي المرة الأولى التي يقبل فيها المصريون التعدّد السياسي بدون نفاق وادّعاء، الإخواني بجوار اليساري والليبرالي والقومي، في مجال صنعته شرائح شبابية، دخلت الى السياسة من خارج التيارات التقليدية في السياسة المصرية. ولأنها بدون سقف سياسي، فإن المجال الذي فتحته يشبهها بدون سقف، وقابل للتعدد والتجاور، وهذا ما اكتشفته الحركة السياسية التقليدية التي لحقت بالدعوة الى الثورة، وتعلمت منها أن تتعايش مهارات الفصائل المتباينة، وينتهي جو الصراع لأنّ الجميع يعمل في إطار التخلص من الديكتاتور، وتحطيم جمهورية التسلط.
الثورة إذاً لا تقبل التقسيط، كما وصلت رسالة «الميدان» الى الجميع، لتصل عبر وسائط الى الماريوت، حيث يدير أقطاب النظام الحالي مفاوضات طويلة مع المعارضة بشأن خريطة طريق للخروج من الأزمة. النظام على النقيض يريد تحويل الثورة الى تظاهرة، ينتج منها إصلاح على طريقة ماكياج الصباح الخفيف، وتستمر الجمهورية التسلطية من دون اعتراف علني بقوة الشعب، التي أُضيفت الى معادلة السلطة.
الإعداد للتفاوض كان في الماريوت، لكن المفاوضات أُجريت في مكتب نائب رئيس الجمهورية عمر سليمان. النائب أدار اللقاء بإشارة ذكية، حيث طلب الوقوف حداداً على دماء الشهداء، وبالطبع لم يكن هذا هو التغيير الوحيد، فالتفاوض يضم للمرة الأولى: جماعة الإخوان المسلمين، ووفداً من مجموعات شباب ثورة ٢٥ كانون الثاني.
هناك أسماء من لجنة الحكماء جديدة أيضاً، أهمها رجل الأعمال المعروف نجيب ساويرس، الذي يبدو أنه يؤدّي دوراً لتقريب المسافات بين الثورة والنظام تحت شعار أنه قد لا تحصل الثورة على مطالبها بالتقسيط، لكنها لا تحصل عليها في خمس دقائق أيضاً.
الرسالة الأولى التي وصلت إلى الجميع أنّ المطالبة بتنحي مبارك وتفويض عمر سليمان قريبة من المستحيل، وتُدخل مصر إلى متاهة. متاهة اسمها الشرعية الدستورية التي لا يمكن عبرها إجراء الإصلاح من دون الرئيس.
متاهة أربكت الجميع، وخصوصاً «الإخوان المسلمين»، الذين يدخلون في تفاوض مع السلطة لأوّل مرة منذ إبعادهم عنها، حيث كانوا شركاء عبد الناصر في سنوات حكم تموز الأولى، وكانت دعوتهم بعد سنوات الحظر علامة تغيير كبير في طبيعة النظام، لحظة انهياره.
البيان الصادر عن الاجتماع لم يتعرض لمسألة إزاحة مبارك، وأعطى وعوداً بلا جداول زمانية لطلبات:
إلغاء قانون الطوارئ، تحرير الإعلام والاتصالات، وتعديلات في الجهاز الأمني، وغيرها من طلبات لم يحدَّد جدول لها إلّا في ما يتعلق بتعديل الدستور.
جماعة «الإخوان» أعلنت أنّ البيان لا يكفي لقضية الإصلاح، مشددةً على أنه في حال عدم إظهار جدية ممن يدير الأزمة فسينحاز «الإخوان» إلى لشعب، وأنهم يؤيدون المتظاهرين في الشوارع بكل المحافظات حتى تتحقّق مطالبهم.
الدكتور محمد مرسي والدكتور عصام العريان حضرا لقاء النائب. ورأى مرسي أنه نقطة لطريق طويل، وتدشين لمرحلة جديدة، ولا يزال خطوة أولى تتطلب خطوات أخرى وإجراءات، مشدداً على عدم الحكم مبكراً على مدى نجاح هذه الخطوة أو فشلها، لكن ما سيحدد ذلك هو الإجراءات التي سيتّخذها من يدير الأزمة.
مرسي وصف ما يحدث في ميدان التحرير بأنه: «الجمعية العمومية للشعب المصري المنعقدة على مدار الأيام الماضية في الشارع، ولديها مطلب واحد هو رحيل الرئيس». «الإخوان» قالوا إنهم اقترحوا حلاً دستورياً وواقعياً للخروج من أزمة تنحي الرئيس، وإن النائب أخبرهم أنه سيدرس الاقتراح، من ناحيته، أعلن العالم المصري أحمد زويل، بعد الاستماع إلى جميع الأطراف، مبادرة تتكوّن من خمس نقاط، في مقدّمها أن يتولى عمر سليمان مسؤولية الإشراف على عملية الإصلاح السياسي، بما في ذلك إنشاء مجلس يضم عدداً من القانونيين والشخصيات العامة لتعديل مواد في الدستور، بينها المواد 76 و77 و88 و179، إضافةً إلى تحديد جدول زمني لإجراء انتخابات ديموقراطية، مشيراً إلى أن هذا الأمر قد يتطلب حل مجلسَي الشعب والشورى.
وطالب زويل أيضاً بإلغاء قانون الطوارئ، وتعديل قوانين الأحزاب والنقابات ومباشرة الحقوق السياسية، كما طالب بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين، ومنهم شباب الحركات السياسية وجماعة الإخوان المسلمين.
وكان لافتاً غياب المعارض محمد البرادعي عن الحوار، ما دفعه إلى توجيه انتقادات للمحادثات، التي «تديرها نفس الشخصيات التي تحكم مصر منذ 30 عاماً وتفتقر إلى الصدقية». وقال إن «الحوار ليس خطوة صوب التغيير الذي يطالب به المحتجون».
ويأتي الحوار مع تغييرات برزت أول من أمس في الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم، أطاحت أمينه العام صفوت الشريف، وأمين لجنة السياسات جمال مبارك، لمصلحة مجموعات مقرّبة من الأمن، في مقدمها حسام بدراوي، الذي تولّى الأمانة العامة وأمانة لجنة السياسات. وترى الأوساط السياسة أنّ هذه الخطوة تعدّ خديعة من جانب المجموعة الأمنية، ظاهرها التضحية بالفاسدين من الحزب، وباطنها تعزيز قوة المعسكر الأمني، الذي يمثله سليمان ورئيس الحكومة أحمد شفيق.
وتزامن حوار سليمان مع حركة «الإخوان» خصوصاً، مع تسريبات جديدة لموقع «ويكيليكس» كشفت أن نائب الرئيس المصري سعى دوماً إلى رسم صورة مخيفة للجماعة الإسلامية خلال اتصالاته مع المسؤولين الأميركيين. وتضمنت برقيات للسفارة الأميركية، اطّلعت عليها «رويترز»، تفيد أن سليمان اتهم «الإخوان» «بتفريخ المتطرفين المسلحين». وحذر عام 2008 من أنه «إذا قدّمت إيران الدعم إلى الجماعة المحظورة فسوف تصبح عدوّنا».
وفي برقية بتاريخ 2 كانون الثاني 2008، نقل السفير الأميركي في القاهرة فرانسيس ريتشاردوني عن سليمان قوله إن «إيران تدعم الجهاد وتفسد جهود السلام، وكانت تدعم المتطرفين في مصر من قبل». وقال ريتشاردوني في برقية بتاريخ 25 تشرين الأول إن سليمان يتّبع خطاً متشدداً على نحو خاص بشأن طهران، وأنه يشير إلى الإيرانيين كثيراً بلفظ «الشياطين».
إلى ذلك، كرر الرئيس الأميركي باراك أوباما رغبته في حصول عملية انتقالية «منظّمة» و«ملموسة» تؤدي الى قيام «حكومة تمثّل الشعب» في مصر، وذلك خلال مقابلة مع محطة التلفزيون الأميركية «فوكس نيوز».
وقال أوباما «أريد حكومة تمثل الشعب في مصر». وأضاف «المصريون يريدون الحرية وانتخابات حرة وعادلة، يريدون حكومة تمثل الشعب، يريدون حكومة منفتحة. وقد قلنا، يجب أن تبدأوا المرحلة الانتقالية فوراً (...). مرحلة انتقالية منظّمة».
وأضاف الرئيس الأميركي إنه يعتقد بأن مصر «لن تعود الى ما كانت عليه». وقال إن «الإخوان المسلمين» هم مجرد أحد التنظيمات السياسية في مصر ولا يتمتعون بتأييد الغالبية، لكنهم حسنو التنظيم وإن بعض أشكال فكرهم معادية للولايات المتحدة.