أطلقت مصر ثورتها الخاصة. منحت الرئيس حسني مبارك ثلاثين عاماً لعلّه يتّعظ. نهاية الانتظار تُرجمت بثورة وبدأت الأسئلة تتوالى. ما الذي دفع هذا الشعب إلى الشارع؟ لماذا الآن؟ وهل هو قادر على الصمود؟ لا بد أنها تراكمات القهر والجوع والقمع والبطالة وغيرها. عوامل تبلورت على شكل ثورة داخل العالم الافتراضي، الذي نقله الشباب، كما هو، إلى الواقع. هكذا كان للعالم الافتراضي دور الجندي المجهول، الذي بات معلوماً مع الوقت. عالمٌ مثّل نهاية خريطة الطريق التي سار فيها الشعب المصري خلال نصف قرن.


يقول عالم النفس الاجتماعي زهير حطب إن السلطة المصرية لم تنتبه إلى أثر التكنولوجيا الجديدة على جيل الشباب. كانت تشعر بالأمان. تَرَاهُم منهكمين في اللعب ساعات على جهاز الكمبيوتر، فيبتعدون عن السياسة. لكنها نسيت أن معظم ألعاب الكمبيوتر كانت تعلّم الشباب «إدارة العمليات».
اكتسب الشباب مهارات الإدارة والتخطيط. هكذا «أصبح الصراع قائماً بين العالم الافتراضي والواقعي»، يوضح حطب. فهؤلاء الشباب «بلغوا أرقى أنواع الفكر والتخطيط. ثم انتقلوا من الواقع الافتراضي إلى الفعلي» لمواجهة أجهزة «صدئة».
عالم التكنولوجيا لم يكن وحده مُحرّض الشباب. فالعوامل المتراكمة كثيرة. البداية، بحسب حطب، تكمن في «خروج مصر من واقعها القومي الريادي» الذي كرّسه «أبو الغلابة»، جمال عبد الناصر، ثم خرج منه أنور السادات. لم ينتفض حينها الشعب بعد سلسلة من الهزائم ضيّقت الأفق أمامه، يضاف إلى ذلك تحوّل مصر إلى «تابع» للخارج. ثم كان تجريد الشعب من حقوقه وماله، حين سيطرت مجموعة رجال الأعمال التي تمثّل «مافيا» مبارك على القطاع العام، ما أدى إلى تفشّي البطالة. ظنّ البعض أن الفلاح المصري كان «عبيطاً»، لكن هذا الفلاح سرعان ما أدرك أن نوعية «القطن الجيدة» تُصدّر إلى إسرائيل على حسابه! ثم جاءت التكنولوجيا التي سمحت للشباب بالاطلاع على الديموقراطية والانفتاح. أمور تراكمت في لاوعيهم وخرجت إلى الوعي.
لماذا الآن؟
حكايات «تذلّل» المصريين كثيرة. يخبرها كل من قصد بلاد الفراعنة. تبرّر هذا التصرف أحياناً. تقول إنهم شعب «جائع». يكفي أن بعضهم ينام بين القبور. إلا أن لهذه الصفة التي لا تليق بشعب ثائر قصة أخرى. يقول حطب «معروف عن الشعب المصري أنه صبور. اعتاد استخدام عبارات المجاملة والاستلطاف». لطالما عرف نفسه كـ«دوني». هذا الشعور ليس سمة بل «هو نتيجة قهر الحاكم للمحكوم. فقد المواطن المصري الثقة بنفسه واقتنع بأنه عاجز عن القيام بشيء».
إلى أن وجد هذا المواطن نفسه في العراء، يحيط به بلطجية السلطة. صار العبد يقول للإله «أكرهك». فانتقل هذا العبد من «العبودية المطلقة إلى الرفض المطلق»، بحسب حطب. يتابع: «احتاج المصري إلى نصف قرن للوصول إلى هذه المرحلة. بدأ يثور على صورة الأب التي يجسدها مبارك. علاقة الأب والابن بين الحاكم والمحكوم صنعتها التربية الإسلامية التي تتبنى السلطة الأبوية». على سبيل المثال «كان الإقطاعي ينكّل بالفلاحين، ويخاطبهم: يا أبنائي». هي صورة دينية بحتة تحولت إلى سمة من سمات المصري. «كما تَذبح الدجاجة وتقول بسم الله». يقول حطب. هكذا شعر المصري ببنوّته للحاكم الطاغية والأب، وصار عاجزاً عن مواجهته مباشرة.
الحرية التي طالما أرادها المصري في داخله عززتها التراكمات والتكنولوجيا. فكانت ثورة غير عفوية، وليس كما يظن الكثيرون. فقد بدأ الإعداد للثورة على أيدي شباب العالم الافتراضي. وأدت المجازر التي مارسها النظام، خلال أيام الثورة المستمرة بحق أبنائه، إلى «قطع الصلة تماماً بين الأب والابن». فصورة الأب القاتل لا يمكن تقبّلها. هكذا تحوّل الابن إلى «ذئب».
أصبح الشعب «غير عبيط». لم يعد الأمر كما في السابق. السلطة آمنت بأنها تنتمي إلى الجيل «غير العبيط»، وكل ما عداها «عبيط». انقلب السحر على الساحر، وكانت الثورة. يُعرّفها حطب بأنها «ليست ثورة كباقي الثورات التي نشأت بسبب تناقضات طبقية، وليست انتفاضة على حدث مفاجئ، وليست تململاً أو حركة منعزلة. بل هي ثورة تحمل معالم الانتفاضة والتململ وتملك رؤية متبلورة للمستقبل».
شارك الملايين في «جمعة الغضب». هؤلاء مثل «كوب اللبن المصري الدسم». هم النخبة القادرة على الحراك والتغيير. كانت البداية مع ثورة الكرامة في تونس. نظر الشعب المصري إلى التونسيين بإعجاب. فرح لتونس وشعر بالغيرة. هذه الثورة له. غيرته تحولت إلى ثورات مليونية. غيرة لن تتوقف عند المصريين، بل هي تتجه إلى التغلغل في العالم العربي. ستتحول إلى ثورة مشتركة. وسيصنع كل شعب نكهته الخاصة.