السويس| شهداء ومصابون. ودماء وصراخ ورصاص في كل مكان. هذا ما شاهدته في محافظة السويس المصرية التي تبعد عن القاهرة 120 كيلومتراً. ولم تتوقف ثورة سكان المدينة المطالبين برحيل الرئيس المصري منذ اندلاع انتفاضة الشعب المصري في 25 كانون الثاني الماضي. حدة المواجهات لم تكن طبيعية بين المواطنين والشرطة، وتحول الصراع من مواجهة مع المتظاهرين إلى حرب شوارع، ولا سيما أن شعب السويس صاحب خبرة في حرب الشوارع، التي خاضوها من قبل وانتصروا فيها على العدو الإسرائيلي.


حصيلة الصراع الجديد لشعب السويس في مواجهة عساكر حسني مبارك ارتفعت على نحو كبير في الجانبين البشري والمادي، ووصل عدد الشهداء الشباب إلى 25 والمصابين إلى 1200 مصاب من المواطنين و14 من قيادة أمن وزارة الداخلية في السويس، بينهم مساعدان لمدير الأمن وحكمدار السويس وضباط مباحث الأقسام، إلى جانب العشرات من مجندي الأمن المركزي، فضلاً عن مئات المصابين من الأطفال والنساء بالإغماء الجماعي والاختناقات بسبب القنابل المسيلة للدموع. وطالت النيران أقسام الشرطة والمساجد و أبراج وعمارات سكنية، وتعرضت صيدليات للتدمير وشوارع بأكملها في حي الأربعين للحرق، وتحولت إلى ما يشبه قطعة من النار، حتى تجاوزت الخسائر المادية مئات الملايين من الجنيهات.
المشهد الأول
تظاهرة في ميدان الإسعاف ظهر يوم الاثنين 25 كانون الثاني قادتها في البداية الأحزاب، كما يؤكد «عربي عبد الباسط» قائد تظاهرات الشباب في السويس التي انضم إليها خلال ساعة عشرات الآلاف واستمرت لساعات، بمشاركة ملحوظة من السيدات ربات البيوت اللاتي تظهر عليهن علامات المعاناة من الظروف المادية. وتناول بعضهن مكبرات الصوت وشرعن يهتفن، الأمر الذي أسهم في تصاعد حدة المواجهات في الميدان المحاصر برجال الأمن. وحاول المتظاهرون كسر الحصار ليسيروا في الشوارع وسط هتافات، كان أكثرها المطالب بخفض الأسعار، والشكاوى من ضيق ذات اليد وصراخ الشباب العاطل من العمل. ومع مرور الوقت، ازدادت التظاهرة عدداً والتهبت بسبب محاولة شاب إشعال نفسه بسكب السولار على جسده وعلى جسد أحد ضباط المباحث. وفي هذه اللحظة اشتد الهجوم الأمني على التظاهرة حتى انفرط عقدها تماماً.
المشهد الثاني
اندفع المتظاهرون من ميدان الإسعاف إلى سوق الأنصاري الذي يربط بين حي الأربعين وحي السويس، وتزايدت بسرعة أعداد المتظاهرين، وسط ترديد هتافات تطالب بإسقاط النظام ورحيل مبارك. ولحقت بالمسيرة قيادات المعارضة لتهدئتها، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى قيادة التظاهرة، لتسير بعد ذلك في كل الشوارع الرئيسية في حي السويس، وسط مناداة للمواطنين والسكان للانضمام إليهم حتى وصل المتظاهرون إلى ميدان الكسارة الملاصق لمسجد الغريب رمز المحافظة ليقرر المتظاهرون في اللحظة التوجه إلى مبنى محافظة السويس الذي يجاور مقر الحزب الوطني ومديرية الأمن ومجمع المحاكم ومقر مباحث أمن الدولة. وأصر المتظاهرون على الوصول إلى مقر المحافظة المحروس بآلاف من جنود الأمن المركزي لحمايته، ودخل المتظاهرون في مناوشات حتى اندلعت شرارة الغضب عندما ظهر شخص يحتمي خلف رجال الشرطة وقام بالهتاف لمبارك. وحاول المتظاهرون الغاضبون مطاردته للإمساك به، واندلعت بذلك المواجهة الأولى بين الشرطة والمتظاهرين وانتقلت الاشتباكات إلى شارع الشهداء وألقى المتظاهرون الحجارة على رجال الأمن ليصاب في هذه اللحظة مساعد مدير أمن السويس وحكمدار السويس اللذان نُقلا وهما في حالة إغماء كامل إلى مبنى مديرية الأمن. وهنا بدأت السيارات المصفحة بمطاردة المتظاهرين في الشوارع، وقاومها هؤلاء بالحجارة قبل أن يعودوا مرة أخرى إلى ميدان الإسعاف في الأربعين.
المشهد الثالث
مع حلول الظلام والانتهاء من صلاة المغرب، توافد المتظاهرون إلى ميدان الإسعاف من جديد، بعد معركة شارع الشهداء، وقررت أجهزة الأمن في هذه اللحظة إغلاق الميدان بالكامل عليهم، وهو ما أصاب المحافظة بأكملها بالشلل وتحولت شوارعها إلى ما يشبه مدن الأشباح الخالية من أي سكان. وتوجهت الجموع إلى الأربعين، واستمرت الهتافات التي أطلقها متظاهرون جدد، ليس من بينهم أحد من الأحزاب. وبين كر وفر حاول هؤلاء الخروج من الميدان في اتجاه الشوارع الجانبية، وهو ما منعته قوات الأمن. ومع مرور الوقت ونفاد الصبر من جانب أجهزة الأمن وارتفاع حدة الهتافات من المتظاهرين، أُلقي حجر من شارع جانبي بعيداً عن المتظاهرين والشرطة، لتشتعل في هذه اللحظة المواجهة بين المتظاهرين والشرطة، وحصل تراشق بالحجارة بين الطرفين، وباشرت قوات الأمن المركزي بإطلاق القنابل المسيلة للدموع، وتحول الميدان وشوارعه الجانبية إلى ساحة حرب شوارع استخدم الجميع خلالها كل الأسلحة المتاحة، وطاردت السيارات المصفحة المتظاهرين في الشوارع الجانبية، ما سبب حصار عدد كبير من عساكر الأمن المركزي في الشوارع الصغيرة ليُضربوا في الداخل، وهنا بادروا إلى إطلاق الرصاص المطاطي ورصاص الحي ليسقط أول شهيد في صفوف المتظاهرين في شارع صدقي، هو «مصطفى رجب محمود» (21 سنة)، الأمر الذي رفع حدة المواجهات وظهرت لأول مرة زجاجات المولوتوف في مواجهة الأمن. وبعد ساعتين من المواجهات، أصابت رصاصة جديدة في شارع صدقي أيضاً صدر المتظاهر «سليمان صابر علي» (31 سنة) وارتفع دوي الرصاص وانطلقت العشرات من القنابل المسيلة للدموع وأصيب العشرات بالإغماء والاختناق واستمرت المواجهات حتى الساعة 12 بعد منتصف الليل، وحضرت سيارات الإسعاف لنقل المئات إلى المستشفيات وتوالى سقوط الشهداء من الشباب الواحد تلو الأخر بعد أن استخدمت الشرطة الرصاص الحي.
ومع خلو كامل للشوارع وتراجع طرفي المواجهة، أُشعل الحريق الأول في حديقة مسجد الأربعين بعد تبادل الرصاص وزجاجات المولوتوف بين المتظاهرين وفرق الأمن، واشتعل من جراء ذلك أحد الأبراج السكنية، واندلع في الوقت نفسه حريق آخر في عمارة مجاورة، واستمرت المعركة حتى الساعة الرابعة فجراً، وتواصلت المطاردات في كل مكان، وظلت تسمع أصوات القنابل، وتوالت الإصابات في صفوف المواطنين وحالات الإغماء في مناطق البدوي وابن الجراح وصدقي، وفشلت سيارات الإسعاف في الوصول إليهم بسبب الخوف وتدمير كامل لعشرات السيارات وعدد من الصيدليات وأعمدة الإنارة في الشوارع، وتحول حي الأربعين إلى ساحة دماء. واستمرت المعركة بعد ذلك أمام مشرحة السويس، التي تهافتت عليها أسر الضحايا.
وفي اليوم الثاني بدأت جولة جديدة من المعارك بين الشرطة والمتظاهرين الشباب في السويس، وتصاعدت تظاهرة المشرحة التي احتشد فيها الآلاف أمام مشرحة مستشفى السويس للمطالبة بتسلم جثث الشهداء لدفنها، وأطلقت قوات الأمن القنابل المسيلة للدموع، واتخذ المتظاهرون قرار العودة مرة أخرى إلى ميدان الإسعاف مركز قوتهم، ليشتبكوا مع الشرطة من جديد، واستخدم كل طرف كل الأسلحة والوسائل التي بحوزتة، وأطلقت الشرطة القنابل بالمئات، ورد المتظاهرون بالزجاجات الحارقة لتحترق عشرات الشوادر المصنوعة من القماش في ميدان الإسعاف وانسحب بعد ذلك المواطنون، وبقيت الشرطة والمتظاهرون في معركة استمرت من السادسة مساءً في الميدان إلى الساعة الخامسة من فجر الخميس.
ورغم كثافة قوات الأمن المركزي والشرطة في الميدان واستخدامها العشرات من السيارات المصفحة، فقد استغل الشباب الغاضبون حالة الإنهاك البدني لرجال الشرطة الذين لم يعرفوا طعم النوم منذ 48 ساعة، وخاصة مع وجودهم طوال نهار الأربعاء في الشارع، فيما كان المتظاهرون في هذا الوقت يأخذون قسطاً من الراحة، ليعودوا مرة أخرى إلى الميدان مجموعات، وهم يرمون الزجاجات الحارقة في اتجاه السيارات المصفحة التي دمر 12 منها على التوالي، لتبدأ في هذه اللحظة عملية انهيار جهاز الشرطة في السويس، الذي أحرقت جميع مراكزه وأقسامه في اليوم الثالث للمواجهات وهرب جميع الضباط ورجال وزارة الداخلية مع خروج المصلين من صلاة جمعة الغضب من جميع المساجد في السويس، متوجهين إلى مبنى المحافظة الذي سيطروا عليه حتى وصل الجيش إلى السويس في اليوم التالي. وإلى يومنا هذا، ومع استمرار الاحتجاجات في عموم مصر، يواصل أبناء مدينة السويس وشعبها يومياً التظاهر للمطالبة برحيل مبارك ومحاكمة من نهبوا البلاد وقتلوا المتظاهرين الذين بلغ عددهم 25 شهيداً في السويس.