الإسكندرية| صفة التغيير اكتسبتها الإسكندرية من أنها شهدت على مدى الأعوام الخمسة الماضية أحداثاً دفعت المحافظات المصرية الأخرى إلى اللحاق بها في مواجهة حكم حسني مبارك، بدليل أن الرئيس حصل فيها على أقل عدد من الأصوات في انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2005، وتحديداً في دائرة الرمل. ويسجَّل لهذه المدينة أبرز حدثين في إشعال «ثورة النيل»، هما قضيتا خالد سعيد وسيد بلال.


علي الرّجال: الباحث في الميدان

لم يكن علي الرّجال، الباحث في دراسات السلام والنزاع الدولي والأمن والتنمية، في إحدى جامعات النمسا، يتخيل أن بعض ما درسه سيطبّقه في مصر، قبل الثورة التي انطلقت ضد نظام حكم مبارك وفي أثنائها. ورغم حداثة تجربته وسنّه (26 عاماً)، قرّر الشاب تطبيق بعض ما درسه على مصر، حينما انخرط في الدعوة إلى النزول للتظاهر السلمي يوم 25 كانون الثاني. ومنذ ذلك الوقت، عمل على تدريب زملائه على كيفية مواجهة بطش الأمن المركزي وصد هجومه. ومبدأ علي في ذلك: «أرغب في السلام والتظاهر السلمي، لكنّني قادر على إدارة النزاع وصد هجمات الأمن». بدأ علي الخطوات العملية في اتجاه ثورة الغضب حينما نظم ورشة عمل للعشرات من أصدقائه، يوزّع بينهم الأدوار في المنطقة التي قرروا النزول فيها، وهي منطقة المنشية في وسط البلد. وجاء التقسيم عبر تخصيص مجموعة تردد هتافات محددة. ترفع هتافاً واحداً ينادي بالحرية وبسقوط النظام، فيما تنخرط مجموعة أخرى في توفير الحماية لهم، يكون أفرادها من ذوي البنية الجسدية القوية، وعلي هو أحد أفرادها. وبالفعل، نجح الأمر جزئياً بصورة جيدة «لكنه كان يحتاج إلى تطوير كبير للنجاح في صورة كاملة».
عكف علي في 26 و27 كانون الثاني، على كتابة «مانيفستو» (بيان ثوري) يضع فيه خطة عملية من عدة نقاط، يشرح فيها بنحو شبه موسع أفضل الطرق في مواجهة بطش الأمن وكيفية كسب المؤيدين. وعمّم هذا البيان على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، ليتجاوز به العدد المحدود من أصدقائه الذين دربهم سابقاً، مشيراً إلى أن هذه الخطوة هي مرحلة «النضال الإلكتروني».
يتذكّر علي حديثاً مع أحد أصدقائه الصحافيين الذي سأله قبل يوم: «هل يمكن التغلب على الأمن المركزي؟». حينها أجاب: «إنه أمر صعب، لكنه ليس مستحيلاً». وبالفعل، تحققت هذه الفكرة، لينطلق علي بعدها إلى فكرة أخرى، وهي تنظيم اللجان الشعبية في منطقة سكنه وبعض المناطق الأخرى التي يقطنها أصدقاؤه، مدرباً إياهم على طريقة تنظيم لجان تفتيش ولجان حماية لشوارعهم، لأن «الثورة لن تنجح ما لم يشعر الناس بالأمان».
يوم الثورة في حياة علي منقسم إلى ثلاثة أجزاء: الأول هو الجلوس مع أصدقائه للتجهيز والتخطيط لخروج التظاهرات من مناطقهم. والثاني هو التحفيز والهتاف وتقديم المساندة النفسية والمعنوية للثوار طوال اليوم. والثالث هو المشاركة في اللجان الشعبية لتأمين مناطقهم أو المبيت مع المعتصمين في الشارع، كما فعل يوم الثلاثاء الماضي بميدان الشهداء في محطة مصر، عندما «هاجمَنا بلطجية الحزب الوطني فور انتهاء خطاب الرئيس». بعد تجاوز الثورة يومها العاشر، وإثر آخر خطابات مبارك، كان علي يؤلف مع أصدقائه أحمد دراز وعبد الرحمن محمود وخلود سعيد وبسمة عبد العزيز، فريق عمل على الإنترنت «يخوض حرب الأفكار أمام ماكينة الإعلام الرسمي التي أدمنت تضليل الشعب».
علي الرّجال هو أحد تلاميذ الدكتور الراحل عبد الوهاب المسيري، صاحب موسوعة «اليهود واليهودية والصهيونية»، وعمل معه باحثاً مساعداً منذ خمس سنوات، وهو التوقيت الذي بدأ فيه إنشاء مبادرة «أدوار» الشبابية التي هدفت إلى رفع الوعي الشبابي، عبر مشاريع نماذج المحاكاة السياسية والاقتصادية، وهو الأمر الذي يرى علي أنه «أسهم في خلق حالة من الوعي بين أوساط الشباب، وانضم إلى الحالة التراكمية مع الحركات والمبادرات الشبابية الأخرى التي خلقت الوعي الحقوقي والسياسي الذي أدى إلى الثورة».

يوسف شعبان... اليساري الارستقراطي

أصبحت رؤية الشاب يوسف شعبان محمولاً على الأعناق، وهو يردد الهتافات المناوئة للنظام المصري وسياساته، أحد المشاهد المألوفة في جميع التظاهرات التي تُنظَّم في الإسكندرية، وخصوصاً من أجل القضايا المتعلقة بالعمال والدفاع عن حقوقهم والحفاظ على ما يضمن لهم معيشة أفضل، وبيئة عمل آمنة. ويُرجع المتظاهرون في أي تظاهرة يغيب فيها يوسف لسبب وحيد، وهو تكرار إلقاء القبض عليه وتحقيق الأجهزة الأمنية معه، وهو ما حصل لفترات متباينة، وليصل عدد مرات اعتقاله إلى خمس، كان يخرج منها أكثر إصراراً على مبادئه اليسارية التي يتبناها، وليصبح أبرز المنتمين إلى تيار الاشتراكيين الثوريين.
ورغم انتماء يوسف، البالغ من العمر 27 عاماً، إلى أسرة من الطبقة فوق المتوسطة، وسكنه في أحد الأحياء الأرستقراطية بالمدينة، إلا أن مبادئه اليسارية دفعته إلى العمل في صحيفة تنتمي إلى الفكر نفسه، لكن سرعان ما أُغلقت قبل عام ونصف عام بدعوى الإفلاس المادي.
ويشتهر يوسف بين الأوساط المثقفة والسياسية في الإسكندرية بمظهر الثائر أرنستو غيفارا، وثورته الدائمة للدفاع عن حقوق العمال وما يربطه بالشرائح العمالية في الإسكندرية، الأمر الذي جعله «هدفاً لمباحث أمن الدولة التي تتابع النشاط العمالي».
المرة الأخيرة التي اعتقل يوسف خلالها كانت أثناء وقفة، دعا فيها إلى التصدي لمحاولات إحدى الشركات الكبرى مساندة مرشح الحزب «الوطني» الحاكم، في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة في دائرة الرمل، وذلك بسبب هدمها مساكن عدد من محدودي الدخل. حينها، لفّق له الأمن تهمة الاتجار بالمخدرات لكن القضاء المصري سرعان ما أعلن براءته. «كنتُ واثقاً من أن الثورة هي الحل». هكذا يلخّص يوسف أفكاره التي ناضل من أجلها منذ تفتحت عيناه على النضال الثوري منذ خمس سنوات. وبرأي يوسف، فإن بطشاً بحجم ما يمارسه النظام، لا يمكن أن يجدي معه النضال الفكري وحده. وهو منطق استلهمه من خلال تغطيته الصحافية لقضايا الفقر والجوع والبطالة للعمال وسكان العشوائيات. ولعل أبرز الأوقات التي تعرض فيها يوسف للأذى، هو وقت دفاعه عن حق خالد سعيد الذي مات بعدما اعتدى عليه مخبرون من قسم شرطة سيدي جابر. احتُجز وضرب من عناصر مباحث أمن الدولة، لكنه يقول: «الضربة التي لا تميتك تقويك وتعطيك دفعة للأمام».
يبدي بعض أصدقاء يوسف القدامى عجبهم من انخراطه في النضال، فهو شاب يملك سيارة ولديه دخل مالي جيد لا يجعله محتاجاً إلى التعرض لكل هذه المضايقات، لكنه يرد بأن «عالماً بلا عدل لا يستحق الحياة فيه»، ويشعر مثل غيفارا بأن «صرخة كل مظلوم هي لطمة على وجه».

صفوان محمد وحلم البرادعي

انطلقت أولى تظاهرات أيام الغضب في الإسكندرية من حي «سيدي بشر» شرق المدينة. وفي أحد الشوارع الجانبية بالحي الشعبي، وبعيداً عن أعين قوات الأمن المركزي، كان صفوان محمد محمولاً على أكتاف المتظاهرين يهتف محمِّساً المتظاهرين، ومنادياً بإسقاط النظام، ويشاركه في ذلك صديق كفاحه هيثم أبو العز الحريري، نجل الناشط اليساري البارز منذ السبعينيات أبو العز الحريري.
سار صفوان يومها مسافة تزيد على 20 كيلومتراً وسط آلاف من المتظاهرين الذين انضموا إليه بعد خروجهم للشوارع الرئيسية. وقاد هيثم ورفاقه في «الجمعية الوطنية للتغيير»، نحو 100 ألف متظاهر في ذلك اليوم لينضموا إلى غيرهم في غرب المدينة ووسطها، واستمد وقتها عزيمته من ثلاث سنوات من النضال المستمر الذي بدأه في 6 نيسان 2008، حيث كانت أولى مرات اعتقاله التي وصلت إلى ست، وكانت آخرها منذ شهرين. يشرح صفوان خطة تحرك زملائه في التظاهرات الأولى التي مثّلت نواة الثورة كالآتي: «التحرك من الشوارع الجانبية في الأحياء الشعبية، ثم تجميع المتظاهرين في مجموعات كبيرة للتوجه نحو الشوارع الأكبر فالأكبر، وصولاً إلى الميادين الرئيسية بكتلة بشرية عالية الكثافة تستطيع أن تواجه قوات الأمن المركزي المستعدة للبطش».
صفوان هو أول صاحب توكيل شعبي لترشيح الدكتور محمد البرادعي لرئاسة الجمهورية في تشرين الثاني في عام 2009 بالإسكندرية، وهو الأمر الذي خاض من أجله معركة قانونية في مجلس الدولة، نظم فيها مع أصدقائه 10 وقفات، انتهت بصدور حكم لمصلحتهم بقبول توثيق تلك التوكيلات، فضلاً عن تأكيد شرعيتها الدستورية، بعد أن مارست السلطات الأمنية ضغوطاً لرفضها».
«الشباب هم كلمة السر». هذا هو رأي صفوان، وهم الملهم الرئيسي للثورة. وهو لا يفرق بين شباب الإخوان أو اليساريين أو الليبراليين أو المسلمين أو المسيحيين، «فالثورة مصرية خالصة». صفوان الذي عمل صحافياً في أكثر من صحيفة، قبل أن يتركها نتيجة التضييق الذي يمارس على الصحيفة، يحذّر بصوت مبحوح من قفزة تقوم بها أي قوة سياسية على ثورة الشباب، لأنهم هم «مَن بذلوا الدماء من أجلها».