القاهرة | محطّة مترو «جمال عبد الناصر»، المعروفة بـ«الإسعاف» الآن، هي أقرب محطة مترو يمكن الزائر التوجه من خلالها إلى ميدان التحرير. على مدخل المحطة، اعتادت مجموعة من الباعة الجوالين الوقوف بصحبة بعض لعب الأطفال الصينية، والقداحات والسجائر. لكن أمس كان هناك ثلاثة بائعين يبيعون البضاعة نفسها مع «علم مصر».

في الطريق إلى ميدان التحرير يصطفّ عشرات الآلاف في الشوارع في مسيرة لا نهائية، جميعهم يرفعون علم مصر. البعض يضعه على كتفه، وبعض أخر خرج مرتدياً ملابس ألوانها بألوان علم مصر، فتيات ربطن حجابهن بألوان العلم الثلاثة وآخريات ضفرن خصلات شعرهن بوشاح من الألوان نفسها.
بدت تظاهرات أمس المليونية ذات طابع كرنفالي مختلف عن كل ما سبق، ومعظم المتظاهرين لم يكونوا شباباً يتحركون في مجموعات تربطها روابط الصداقة، بل أيضاً عائلات تسير مبتسمة كأنها متجهه إلى احتفالات نصر الثورة.
مدام (م) رفضت ذكر اسمها خجلاً لأنها لم تكن في هذه التظاهرات منذ اليوم الأول. قضت عقوداً طويلة من عمرها تعمل في دول الخليج العربي المختلفة، وتمكنت من خلالها من نقل أسرتها نقلة نوعية من مساكن شبرا إلى ضواحي مصر الجديدة الفخمة، ثم عادت أخيراً إلى بلادها بعدما زوجت البنات لتستمتع بثمرة شقاء عمرها في شقتها الهادئة.
في الأيام الأولى للتظاهرات كانت تشعر بالحنق تجاه هؤلاء الشباب «المخربين». تجلس أمام التلفزيون المصري وتصرخ في أولادها «جيل فاسد... هتضيعوا البلد». الأولاد كانوا مؤيدين للثورة يتسللون للتظاهرات من خلف الأم خوفاً من غضبها ودموعها التي سكبتها أمام خطبة الرئيس المصري حسني مبارك العاطفية الأخيرة.
تمثل مدام (م) قطاعاً عريضاً من الطبقة الوسطى التي نجحت في ترقي السلّم الاجتماعي خلال فترة حكم مبارك، ومثل شرائح كثيرة من هذه الطبقة، تخشى التغيير وما هو آت.
«أمس حين شاهدت الشاب وائل وصور الشهداء لم أستطع أن أمنع نفسي من البكاء، كنت مخطئة وهؤلاء الشباب كانوا على حق»، تقول مدام (م) التي يبدو عليها التوتر من الجماهير التي تهتف بجوارها، لكنها تحسم أمرها وتهتف معهم في النهاية «الشعب يريد محاكمة الرئيس».
لم تكن مدام (م) هي الوحيدة التي غيّرت رأيها وانضمّت إلى تظاهرات أمس المليونية، فقد شهدت التظاهرة مشاركة عدد من نجوم الفن والمجتمع الذين لم يعلنوا موقفهم صراحة، منهم المذيعة منى الشاذلي، شيرين عبد الوهاب، أحمد زويل، وعمرو أديب الذي رفض بعض المتظاهرين انضمامه إليهم وحاولوا منعه من دخول الميدان، لكن آخرين رفضوا هذا التصرف ورحبوا بعمرو قائلين «للجميع الحق في دخول الميدان».
شهدت تظاهرات أمس تغييراً تكتيكياً جديداً وتقدماً للتظاهرة، فقد خرجت في الصباح مسيرة ضمت آلافاً من الأساتذة الجامعيين من جامعة القاهرة نحو ميدان التحرير، وحين خرجت حشود من الميدان لاستقبالهم في شارع القصر العيني انتهى الأمر بتظاهرة أخرى أمام مجلس الشعب، وتجمّع المتظاهرون أمام مقر رئاسة الوزراء، وتواردت أنباء غير مؤكدة عن تمكنهم من منع رئيس الوزراء أحمد شفيق من الدخول إلى المبنى. لكن عند غروب الشمس كان المتظاهرون قد أحكموا قبضتهم على مبنى مجلس الشعب، بل وأقاموا متاريس ولجاناً لتفتيش الداخلين والخارجين. ومثلما تقدم المتظاهرون في الطريق نحو السيطرة على جميع مقار مؤسسات الدولة، شهدت الهتافات والشعارات تغييراً نوعياً، فبعدما كان الشعار «ارحل» هو السائد بصحبة الهتاف الأيقوني «الشعب يريد إسقاط النظام»، ظهرت هتافات الإدانة «حسني مبارك يا طيار جبت منين 70 مليار»، في إشارة إلى الأخبار التي تواردت حول ثروة حسني مبارك، وكذلك فإن الشعب لم يعد يريد رحيل الرئيس بل هو «يريد محاكمة الرئيس».
من اللافت في تظاهرات أمس أيضاً اختفاء الملتحين والمنقبات من نقاط التفتيش المؤدية إلى الميدان، حيث كان «الإخوان» هم المسيطرون طوال الأيام الماضية على مداخل الميدان فيطلعون على الهويات ويفتشون الداخلين للتأكد من عدم اندساس أي عناصر مخربة.
أمس أيضاً كان الاختفاء التام للبلطجية من الشوارع المؤدية إلى ميدان التحرير، وذلك مع عودة الحياة وفتح المحال في تلك الشوارع. أما في الميدان فقد ظهر سوق تجاري آخر، حيث تكاثرت عربات «سندوتشات» الكبدة، الفشار، غزل البنات، وكثر بائعو السجائر. ومن أعلى تظهر عشرات قطع الأقمشة والخيام التي نصبها المعتصمون اتقاءً للأمطار وبرد الليل.