لم يظهر الروس أيّ مؤشرات منذ بداية غاراتهم الجوية في 30 أيلول الماضي أنّهم قادمون في مهمة محدودة، أو لـ«3 أو 4 أشهر» كما نُقل عن مسؤول روسي حينها. وضعت موسكو بنكاً مفتوحاً للأهداف قابلاً للزيادة لا للنقصان. وبمجردّ إعلان «المظلة الجويّة» فوق سوريا، حرق الوجود الروسي بضع «أوراق» غربية؛ أهمّها المنع النهائي لأيّ ضربة جوية لإسقاط الدولة السورية، مقفلاً أي تبعات شبيهة لأزمة السلاح الكيميائي في آب عام 2013. ثم تدحرجت «كرة الحماية» لتحسم، أيضاً، مسألة مصير الرئيس بشار الأسد في الزيارة الشهيرة للعاصمة الروسية.


عملياً، الغارات لم تكن مجرّد ضربات لأهداف عشوائية، بل هي نتيجة عمل غرفة عمليات تجمع المعلومات وتحلّلها، وتضع الأهداف حسب حاجة الجيش السوري على الأرض.
لكن الروس، اعتقدوا في المرحلة الأولى، أنّ تدخّلهم كفيل بتغيير خريطة الصراع سريعاً. كانت البداية في ريف حماه الشمالي، حيث حقّق الجيش نجاحات محدودة، ليعود ويخسر معظم ما سيطر عليه. تعقدت الأمور من دون أي تقدّم في سهل الغاب، مثلاً. أدرك الروس حينها أنّ الغارات لا تكفي وحدها للحسم، وأن الأمر يحتاج الى إدارة مختلفة للعمليات وإلى تنسيق أكبر. وهذا ما كان واضحاً في كلام الرئيس فلاديمير بوتين أمس لقياداته العسكرية: «الغارات غير كافية لدحر الإرهابيين».
في سهل الغاب، أظهر المسلحون تكيّفهم مع الضربات الجوية، وإن أجبرتهم على اتباع سياسة دفاعية بدل الهجوم الذي اعتادوه. الطائرات الروسية العاملة في سوريا التي ارتفع عددها إلى 69 أخيراً، ليست كفيلة وحدها بتغيير مسار الحرب. هذا ما اكتشفه الروس وبعض «المتيّمين» بالسوخوي، فقط. أحد المتابعين، اعتبر نتائج مواجهات سهل الغاب وقصور التنسيق في بعض الأمكنة، عنصراً محفزّاً «يجعل الروس على تماس أكبر مع متطلبات الميدان، ومع الأرض»، التي قدموا كي يساعدوا في تحريرها.
النتائج السريعة المتوخاة، جعلت إدارة المعركة في موسكو تضع نُصب أعينها أهدافاً واضحة بإدارة مغايرة، لتظهر النتائج السريعة في ريف اللاذقية الشمالي، حيث تكامل عمل الجنود على الأرض مع «جنود السماء». بنك الأهداف الواعد استوجب تنسيقاً أكبر مع «الأصدقاء»، وهذا ما تظهره العمليات في ريف حلب الجنوبي.
كذلك، لم تُظهر روسيا أنها تعمل بمعزل عن المعوّقات الإقليمية، أو أنّها تتكامل مع هدف «الجميع» بضرب «داعش». فهي وضعت خطوطها الحمراء غير المعلنة، من ضرب الجماعات التركمانية المنتشرة في ريف اللاذقية إلى الاكتفاء بمجرد «علم وخبر» بأنّ طائراتها ستقصف في منطقة «عمليات التحالف»، وأيضاً في الرسائل الصاروخية من بحر قزوين.
الأسابيع الماضية أكّدت جدية التهديد التكفيري وشموليته، وليست حادثة الطائرة الروسية في شرم الشيخ وهجمات باريس إلّا تأكيداً على الرؤية الروسية، التي لم تغيّر هذه الأحداث من أجندتها، بل زادتها اقتناعاً بصوابية خياراتها العسكرية في المنطقة.
كل المؤشرات تدلّ على تعاظم حجم التدخّل الروسي، وأنّنا أمام مرحلة جديدة لا تجب ما قبلها، بل تأتي في سياق حرب مفتوحة واضحة المعالم تُفضي إلى مرحلة جديدة من الحرب.
يبقى أن يكون واضحاً أنّ «الجيش الأحمر» لم (ولن) يعُد. لكن فلاديمير بوتين ليس ذاك الانتهازي الذي يُشبه حاكم القصر الرئاسي في فرنسا المُحاط بالعقارات القطرية. لروسيا مصالحها القومية، واليوم يتطابق جزء منها مع مصالح سوريا وحلفائها. هذه «القواسم المشتركة» قد تدفع إلى «تسوية»، تكون سوريا وأبناؤها الفيصل الأساسي في خياراتهم المستقبلية. الحرب لن تنتهي سريعاً، ونحن مقبلون على أشهر مختلفة عن سابقاتها. قد يصحّ القول إن الحرب بدأت في 30 أيلول. كل اللاعبين سيرمون كل أوراقهم، وسينتصر من يمسك بالأرض.