باريس| يتّفق جميع المراقبين على أن ثورتي تونس ومصر قضتا نهائياً على أي أمل بإحياء فكرة «الاتحاد من أجل المتوسط» التي مرّرها نيكولا ساركوزي «بالقوة»، بحسب دبلوماسي من جنوب شرق المتوسط لم يتردّد في استعمال كلمة «اغتصاب الحقائق الجغرافية والتاريخية» في معرض شرحه لأسباب فشل هذا الاتحاد «المخالف للطبيعة».


وبعد أن يعترف بأنّ «الهدف الأساسي للاتحاد كان دمج إسرائيل عنوة في لعبة الدول العربية عبر تجاهل العامل السياسي»، يشرح بأن الهدف من «توسيع» حدود الاتحاد ليشمل الأردن لم يكن إلا لـ«إضافة صوت مُطَبِّع مع إسرائيل حتى لا تبدو مصر وحيدة بين أقرانها». ويضيف أن وضع الأردن في مصاف الدول المتوسطية كان له أبعاد سياسية أخرى، مشيراً إلى أحد الحلول المتداولة وراء الكواليس للمسألة الفلسطينية هو «إعادة لعب ورقة الدولة الواحدة في الأردن»، ما يجعل «غزة متنفساً لدولة أردنية ـــــ فلسطينية على البحر الأبيض المتوسط».
ويتابع الدبلوماسي أن أيّاً من الدول العربية لم تثر الأمر لـ«معرفتها المسبقة بأن المشروع فاشل»، وقد قبلت المشاركة كل منها لأسباب متنوعة. وضرب مثلاً التنافس «الجزائري ـــــ المغربي» على تأدية الدور الرائد للعلاقات الأوروبية ـــــ المتوسطية، وهو ما دفع الجزائر إلى الموافقة على مضض في محاولة للحاق بموقع المغرب المتقدم شريكاً تجارياً مع أوروبا. أمّا سوريا فقد قبضت ثمن مشاركتها خروجاً من العزلة التي فُرضت عليها، وكذلك ربحت تركيا اعترافاً بدور لها يتجاوز «رفض قبولها في الاتحاد الأوروبي من دون أن تتوقف عن المطالبة بالعضوية».
في نهاية السنة الماضية، جاء إعلان إلغاء القمة الثانية للاتحاد في برشلونة ليؤكد كون هذا اللغم في أساسات الاتحاد. وقد بررت المتحدثة المساعدة لوزارة الخارجية الفرنسية كريستين فاج الأمر في حينها بأنه «بعد التحقق من أن الجمود الحالي لمسيرة السلام في الشرق الأوسط يؤدي إلى استحالة المشاركة المقبولة في القمة المرتقبة، فإن الرئاسة المشتركة مصر وفرنسا وإسبانيا قررت تأجيلها».
في المقابل، يوضح أحد الدبلوماسيين الذين عملوا بقوة على الإعداد للمشروع المتوسطي، أن الاتحاد «يستطيع أن يكمل طريقه بتنفيذ مشاريع اقتصادية وبيئية، متجاوزاً الشق السياسي ومقاطعة الدول العربية لإسرائيل بسبب جمود العملية التفاوضية». ويضيف «بإمكاننا تجاوز القمم الاستعراضية وصور الرؤساء»، مع اعترافه بأن «صورة الزعماء العرب إلى جانب مسؤول إسرائيلي لها أهمية تواصلية». إلا أنه يعود ليؤكد إمكانية العمل على صعيد متدنٍّ بعيداً عن الأضواء، لافتاً إلى أن مشروع الاتحاد ليس فقط من بنات أفكار ساركوزي، بل هو جزء من السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كاملاً، ويهدف إلى جعل جنوب المتوسط قاعدة إسناد لأوروبا الصناعية في سباق التنافس مع كل من الولايات المتحدة والصين، سواء على الأسواق أو على المواد الأولية أو مصادر الطاقة.
ويذكّر الدبلوماسي نفسه بقول ميشال إليو ـــــ ماري، قبل أن تصبح وزيرة للخارجية، خلال زيارة للجزائر بصفتها وزيرة للداخلية، إن «العالم أصبح محكوماً من التكتلات الكبرى التي تتألف من أجل دفاع أفضل عن المصالح الاقتصادية لأعضائها». وفي حينها، دعت مخاطبيها للنظر إلى الهند والصين وأميركا اللاتينية على أنها كتل ديموغرافية واقتصادية كبرى من حيث تعداد السكان، قبل أن تضيف «نحن أيضاً على مستوى المتوسط في حاجة إلى سوق كبير».
إلا أنّ الشلل لا يزال يحكم عمل الاتحاد حتى من الناحية الإدارية؛ فبحسب أحد الدبلوماسيين العاملين في الأمانة العامة للاتحاد، تحدث لـ«الأخبار»، إنّ «البحث عن التوازنات» هو ما قاد إلى تعيين «ستة أمناء عامين مساعدين»، رغم نقص الإمكانات المادية والكوادر البشرية في غياب أي إمكانية لعقد قمة، ولا حتى لقاء على مستوى وزراء الخارجية للدول الـ٤٣ الأعضاء في الاتحاد.
ويشير الدبلوماسي إلى أنه حتّى العمل على المستوى التقني البعيد عن السياسة متوقف أيضاً، وفي مسائل المياه أو حفظ البيئة، يكفي ذكر «الأراضي (الفلسطينية) المحتلة» ليتجمد العمل بالمشروع، وليعود الجميع إلى حمل مجهر الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي للنظر في الملف.




«يمكنه أن يعيش»


ينتقد عدد من الدبلوماسيين التركيز على «مشاركة مصرية ثابتة» في رئاسة الاتحاد من أجل المتوسط، مع «غموض في أسباب المشاركة الفرنسية»، رغم انتقال الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي إلى دول أخرى. ويرى هؤلاء في ذلك «تكبيلاً مؤسساتياً» للاتحاد، يضعه رهينة بين يدي باريس والقاهرة، فالنصوص أشارت إلى رئاسة مشتركة تكون مداورة أوروبياً وفق رئاسة الاتحاد الأوروبي، بينما لم تحدد بوضوح سبل اختيار من يمثل دول الجنوب، حيث لا يزال ساركوزي ومبارك يشاركان في الرئاسة، إلى جانب إسبانيا حالياً. بالطبع، إن انهيار حكم مبارك في مصر سوف يعيد مسألة الرئاسة إلى الواجهة، إلا إذا كان ذلك يعني دفن الاتحاد نهائياً وحل مؤسساته بانتظار أفق جديد للتعاون بين دول شمال المتوسط وجنوبه، رغم تفاؤل رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي أكسيل بونياتوفسكي بأن «الاتحاد من أجل المتوسط يستطيع أن يعيش من دون مبارك».