القاهرة| يقدّم النظام المصري أبهى صورة عن كيف يأكل أبناءه؛ تحفَّظ على ثروات أربعة وزراء ومنعهم من السفر، ما يمثّل تغيُّراً دراماتيكياً في لعبة الشد والجذب بين نظام حسني مبارك والثوار الذين يرفضون أن يكون هؤلاء الوزراء فقط موضع المساءلة والعقاب، وهم يتساءلون: أين العواجيز أمثال صفوت الشريف وزكريا عزمي؟


أخيراً سمعنا في مصر السؤال: من أين لك هذا؟ فعلاً الثورة تصنع المعجزات، وقرار التحفُّظ على أموال الوزراء حبيب العادلي ورشيد محمد رشيد وأحمد المغربي وزهير جرانة، دليل دامغ على أن الثورة تكسب كل يوم أرضاً جديدة، بعدما خُصّصت معظم أراضي الدولة لشركات هؤلاء الوزراء وأقاربهم. في السنوات الأخيرة، صار رجال الأعمال قوّة ضاربة يستند إليها النظام، وأصبح الحديث عن خطورة تزاوج السلطة والثروة أمراً مضحكاً لأن رؤساء الحكومات، كمال الجنزوري وعاطف عبيد وأحمد نظيف، أدوا دور المأذون وحاولوا إضفاء الشرعية على هذا الزواج. الثورة تعيد ترتيب الأوراق الآن. الصامتون تكلموا وظهرت مستندات وأوراق تؤكد أن كل ما خرج من رحم هذه الزيجة «ابن سفاح».
كتبت الساعة الخامسة من عصر «جمعة الغضب» في 28 كانون الثاني نهاية وزير الداخلية حبيب العادلي، صاحب القبضة الحديدية في نظام مبارك. رفع الرجل سمّاعة الهاتف بعد مكالمة استغرقت ثلاث دقائق مع الرئيس، أخبره خلالها أن الوضع خارج السيطرة. تحدّث الرئيس مع المشير محمد حسين طنطاوي ونزل الجيش لتأمين البلد. قبل هذه المكالمة اتصل الرئيس بالوزير مستفسراً عن تطورات الأوضاع في شوارع القاهرة والمحافظات، فطمأنه العادلي إلى أن كل شيء تحت السيطرة، بما أن التظاهرات العارمة التي خرجت تطالب برحيل مبارك ونظامه «محاصرة»، و«ما هي إلا دقائق وتنفضّ».
اطمأن الرئيس بالفعل لأنه يثق كثيراً بوزير داخليته المعروف بالقسوة. أجرى العادلي عدة مكالمات من مقر إقامته في الوزارة مع مساعديه، يتقدمهم اللواء أحمد رمزي، مساعده لشؤون الأمن المركزي. انفعل العادلي عندما أخبره المساعد أن الوضع خطير وأن الذخيرة (قنابل مسيّلة للدموع ورصاص مطاطي) التي تطلقها قوات الشرطة على المتظاهرين «أوشكت على النفاد، وأن الباقي يكفي فقط لتأمين انسحاب القوات من الشوارع». في هذه اللحظة أدرك العادلي أن كلمة النهاية كُتبت، فأمر المساعد باستخدام الذخيرة الحية. صُدم الرجل واستجمع قواه ثم رفض الأمر.
اتصل العادلي بالرئيس مبارك وشرح له الوضع، ثم غادر الوزارة غاضباً، بعدما علم بتحرك الجيش، وطلب من رجاله في كل مكان سرعة الانسحاب. ظلت الوزارة في هذه اللحظة بلا قيادة، ويعلم الجميع ما جرى بعد قرار الانسحاب: خرج البلطجية من أقسام الشرطة، وظهر أصحاب السوابق في الشوارع يحطمون المحال و«المولات» التجارية ويستولون على كل شيء.
صباح السابع من شباط الجاري، مثل العادلي أمام النيابة العامة ووُجِّهَت له تهم القتل العمد لمتظاهرين بواسطة الشرطة، والقتل الخطأ والإضرار العمد وغير العمد بالمال العام بعدما «تسبّب بتركه مهمات عمله، في فوضى ترتب عليها إشعال النيران في أقسام الشرطة وسرقة منازل ومتاجر وشركات ونهبها».
حالياً، وزير الداخلية السابق موقوف لدى الجيش داخل مكتب صغير في مبنى مقر أمن الدولة في مدينة الشيخ زايد. العادلي محاصَر بضباط الجيش، ويعاني الوحدة التي طالما فرضها على السياسيين والمعارضين في السجون ومقار أمن الدولة.
إعلان محاكمته كان خطوة من جانب نظام مبارك لامتصاص غضب الثوار. لكن الخدعة لم تنطلِ على الجموع المرابطة في ميدان التحرير، لأن وزير الداخلية «مجرّد ترس في ماكينة النظام». المطلوب هو الرأس، أي مَن ترك الحبل على الغارب حتى أضحى صاحب أقوى نفوذ في حكومات مبارك. ويقول الخبير الأمني العميد محمود قطري: «هذه النهاية تتناسب مع ما اقترفه العادلي بحق الشعب من جرائم وانتهاكات، كانت الأضخم في تاريخ وزراء الداخلية طوال عهد مبارك».
لا تتوقف الاتهامات الموجهة إلى العادلي عند ما سبق، فقرار إحالته إلى النيابة شمل التحفظ على ثروته التي قيل إنها وصلت «8 مليارات جنيه». للمرة الأولى يواجه وزير الداخلية السؤال: من أين لك هذا؟
يقدّر بعض الخبراء الراتب الشهري لحبيب العادلي بـ6 ملايين جنيه (الدولار الأميركي يعادل نحو 6 جنيهات)، من دون احتساب العمولات والمكافآت التي تدخل جيبه من إدارات الوزارة المختلفة (التهرب الضريبي، وشرطة الكهرباء، وطوابع الشرطة). يُقال إنّ عمولته تصل في اليوم الواحد من هذه الطوابع إلى 30 ألف جنية تشمل عمولات الحراسات الخاصة، وإدارة الجوازات وصفقات الوزارة في استيراد السلاح وعربات الشرطة، ومشاريع الأمن المركزي من مخابز وأثاث، بالإضافة إلى رواتب شهرية وعمولات تدفعها الوزارات إلى الداخلية.
أجرى العادلي تغييراً هيكلياً شاملاً في وزارة الداخلية حتى أضحى حلم الالتحاق بكلية الشرطة لا يتوقف على الوساطة وحدها، بل ظهرت الرشوة عاملاً حاسماً في الاختيار. ويرى العميد قطري أن «جهاز الشرطة تغيّر 180 درجة في عهد العادلي، إذ أصبحت الرشوة هي العامل الوحيد في القبول، وليس هناك طالب التحق بكلية الشرطة في عهد العادلي لم يدفع رشوة، حتى أبناء المسؤولين في الجهاز».
هذا هو الجزء الطافي من جبل ثورة العادلي. أما الغاطس منها فربما كان من بينه ثروة أشرف السعد، أحد أشطر التجار، إذ تزوّج العادلي من طليقة السعد، إلهام شرشر. وسرت في طول البلاد وعرضها، عقب إعلان الزواج السعيد، حكايات عن الثروة التي آلت إلى العادلي جراء هذا الارتباط. يضاف إلى ذلك ما يقوله قطري: «قبل حركة التنقلات، يحمل كل مدير أمن شنطة مال ويذهب بها إلى مقر الوزارة ويضعها في مكتب الوزير حتى يصار إلى التجديد له».
أمن الدولة هو الكعب العالي في وزارة الداخلية. عبارة تتردّد على ألسنة كل من يعمل في جهاز الشرطة، والسبب أنّ الوزير السابق شغل منصب مدير جهاز أمن الدولة في الفترة ما بين 5 شباط 1995، حتى 18 تشرين الثاني 1997، عندما عيّن وزيراً للداخلية خلفاً للواء حسن الألفي عقب مذبحة الأقصر. من هنا جاء اهتمام الوزير بالأمن السياسي على حساب الأمن الجنائي، فهو يعرف أن أمن الرئيس هو الطريق إلى قلب رأس النظام، فاجتهد في ملاحقة النشطاء والسياسيين والتضييق عليهم، وظهرت أفلام التعذيب التي كانت السمة الرئيسية لهذا العهد. كذلك شهدت المحاكم المصرية، للمرة الأولى، محاكمة ضباط بتهمة التعذيب، بعدما كانت القضية تقتصر على دفع تعويض للمعتقل أو من يُعذّب، فرأينا الضابط إسلام نبيه داخل زنزانة السجن بعد تعذيب عماد الكبير.




القبضة «الرخوة»

اتّسم عهد الوزير حبيب العادلي (الصورة)، بالانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان واستخدام كل أدوات التعذيب في أقسام الشرطة والمعتقلات، والاحتجاز التعسفي من دون سند قانوني. الرجل اتبع سياسية الضرب تحت الحزام ضمناً مع المعارضين، بخلاف زكي بدر الذي كان يناصب الجميع العداء علناً. ويوم 7 شباط 2011، أحيل العادلي لنيابة أمن الدولة العليا إثر بلاغ المحامي ممدوح رمزي، يتهمه فيه بالضلوع في جريمة تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية. العادلي الآن يجلس وحيداً فى غرفة صغيرة يعضّ أصابعه ولسان حاله النكتة التي خرجت في أيام الثورة عندما قال له الرئيس: «منعت الحشيش ومليت المعتقلات بالناس يا فالح، أهوّ الشعب صحصح». الثورة كشفت إلى حد بعيد كيف كانت قبضة العادلي «رخوة».