خلال الساعات الأولى من مساء أمس، كان مشهد ميدان التحرير في وسط القاهرة خليطاً بين الابتهاج والترقّب، ولا سيما أن بيان المجلس الأعلى للقوات المسلّحة أضفى الكثير من الغموض على ما قد تشهده الساعات التالية، وسط مجموعة من الأنباء غير المؤكدة بشأن نيات الرئيس حسني مبارك.

ومع تردد الأنباء عن احتمال تنحّي مبارك خلال ساعات، وإمساك الجيش بمقاليد الأمور، أخذت مجموعة من المتظاهرين تهتف «مدنية مدنية»، لكن معظم المتظاهرين المتحمسين المحتشدين في الساحة أخذوا يهتفون «الجيش والشعب يد واحدة». ولم يسجل أي تحرك لقوات الجيش المنتشرة حول الميدان، ولا للآليات العسكرية المرابطة على العديد من مداخله، فيما كانت الجماهير لا تزال تتوافد على الميدان، الذي أصبح رمزاً لـ«ثورة 25 يناير».
وقالت عالية مسلم (29 عاماً) «جئت الى هنا لأنني لا أريد تفويت هذه اللحظة. لحظة رحيله. أشعر بانفعال شديد وأعتقد أن هذه اللحظة ستغيّرنا تماماً». وأخذ بعض الناشطين يجوبون الميدان، مذكرين المتظاهرين بأن سقوط الرئيس «ليس سوى أول مطالبنا».
وعلى كوبري قصر النيل الموصل إلى الميدان، اصطفّت طوابير السيارات المتجهة الى الميدان، وقد أخذ ركابها يلوّحون بالعلم المصري مطلقين العنان لأبواقها.
رغم ذلك، بقيت حال القلق تسيطر على الموقف. وقال أحمد الحسيني (30 عاماً) «نحن ننتظر القرار النهائي من القوات المسلحة. القوات المسلحة هي الجهة الوحيدة التي عندها القدرة للسيطرة على الأوضاع الحالية»، فيما رأى أحمد السخاوي (57 عاماً) أن «ما حدث الليلة خطوة جيدة في انتظار الخطوة النهائية وهي تنحّي الرئيس».
وقال محتجّون إنهم حذرون إزاء إمكان أن ينقل مبارك سلطاته إلى نائبه عمر سليمان، الذي هتف ضده المحتجون أيضاً. ورفض كل من سئلوا من المحتجين أن تفضي العملية الجارية حالياً إلى رئيس للبلاد من القوات المسلحة، لكنهم اتفقوا على أن القوات المسلحة تضمن نقل السلطة إلى حكومة تتألّف في ظل انتخابات تشريعية ورئاسية شفافة ودستور جديد.
في هذا الوقت، كانت «دولة ميدان التحرير» تستعدّ لتظاهرات اليوم المليونية، بغضّ النظر عمّا ستؤول إليه التطورات. وأقيم مسرح في مقابل استراحة أطلق عليها «عشاق النهار»، وكانت هناك حركة مختلفة في جانب آخر من الميدان لم يلتفت إليها كثيرون من المنشغلين بالحوارات الجانبية والخطب والشعارات والإذاعة، التي تمثل برلمانا حياً ينقل الأخبار ويرد عليها فوراً.
وقد جهّز بعض النجارين ألواحاً خشبية تمثل جدراناً وسقفاً لفواصل لعشر دورات مياه في وسط الميدان، فيما كان سمكريّون يجهّزون مواسير وصنابير وقواعد للصرف الصحي. ولذلك، استخرج الرمل من إحدى الجزر الفاصلة بين الطرق الاسفلتية في الميدان وخُلط بالاسمنت لتقام دورات المياه. وقال المشرف على العمل «دورة عمومية للرجال». وقال أحدهم إن البقاء في الميدان ربما يطول «نستعدّ لحرب تكسير العظام... المعركة يحسمها طول النفس».
وبانضمام مسيرتين لأعضاء اتحاد كتاب مصر وأعضاء نقابة المهن السينمائية، انتعش المحتجّون ورحّبوا بالأدباء وهتفوا «مرحب مرحب بالكتّاب... اللي انضمّوا للثوار»، ثم صعد رئيس الاتحاد محمد سلماوي إلى المنصّة، مشيداً «بالثورة المصرية».
وأقام المحتجّون «إذاعة الميدان»، وهي جهاز إعلام الدولة الصغيرة، يجري من خلالها الإبلاغ عن المفقودات والأطفال التائهين. ورغم الحماسة الجارفة، لا يميل المسؤولون عن الإذاعة إلى إعلان أي بيان. ففيما تعالت أصوات من داخل الميدان تبشّر المحتجّين بأن «الجيش أزاح مبارك»، رفض مسؤولو الإذاعة إعلان النبأ، وشدّدوا على أنهم لا يذيعون شيئاً إلا إذا تأكد لهم من مصادر عدة: «لا نضمن ألاعيب النظام ولا نثق به... يحاول تفريقنا بالشائعات». وقال أسعد وهو أحد النشطاء الشبان «نعرف الحقيقي من المزيّف. تاريخ كل واحد معروف. هنا انضرب (المغني المصري) تامر حسني امبارح، وبكى واعتذر للمحتجّين الذين لم يقبلوا ما عدوه ادعاءً عليهم في الأيام الأولى للاحتجاجات».
وتمثل إذاعة الميدان أيضاً جهاز إنذار، فمن وقت لآخر يقطع البرنامج العادي، الذي يشمل أغنيات أو موسيقى وطنية أو خطبة عن مظاهر الفساد، ليعلن عن حاجة أحد مداخل الميدان إلى 100 متطوع أو نوع من الدواء يحتاج إليه مستشفى ميداني على طرف الميدان. ويتخذ أعضاء كل مهنة ركناً في الميدان. الصحافيون والأدباء والسينمائيون والتشكيليون.
ومساء الثلاثاء الماضي ابتكر التشكيلي المصري رضا عبد الرحمن جدارية تحتفي بضحايا الاحتجاجات وتمثل لوحة مفتوحة عنوانها «جدارية ثوار وشهداء 25 يناير»، وبادر محتجون من أعمار مختلفة إلى كتابة أسمائهم أو إضافة لمساتهم بالرسم أو كتابة ما يشاؤون من شعارات، منها «النصر للثوار» و«المجد للثورة وشهدائها» و«بحبك يا مصر... يسقط مبارك» و«أهم من أكل العيش... إن الواحد بكرامته يعيش».
أما الأطباء والمسعفون والممرضات فهم أكثر الناس انتشاراً في الميدان من خلال أكثر من مستشفى ميداني بدأ بمركز بالقرب من الجامعة الأميركية وأصبح له نحو ستة فروع.
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي)