القاهرة ــ الأخبار

آمال النهار بتنحّي حسني مبارك بدّدها سواد الليل. هو الدكتاتور نفسه. لا يتغيّر. ملايين المحتجّين في أنحاء مصر كلها لم تقنعه بالتنحّي. لا أعدادها نفعت، ولا حناجرها التي تصدح بالكره له والغضب عليه، ولا القبضات المرفوعة عالياً، أتت ثمارها. كل ما قدمه من «تنازل» لا يتجاوز تفويض صلاحياته لنائبه، رجل إسرائيل الأول في المنطقة، عمر سليمان، الذي سارع إلى دعوة المتظاهرين إلى العودة إلى منازلهم على قاعدة أنهم حصلوا على ما يطالبون به.

كان يتحدث طبعاً عن تعهدات جوفاء، مثلها مثل خطابه وخطاب رئيسه من قبله.
لم تكن الحال على هذا النحو خلال ساعات النهار، حين كانت الشمس مشرقة منبئةً بفجر من الحرية. إشارات كثيرة أظهرت أن «الثورة انتصرت» وأن «مصر تحررت»، على ما اعتقد الصامدون في ميدان الحرية وغيره من ميادين مصر وشوارعها، لعل الأهم فيها بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي انعقد يوم أمس للمرة الثالثة في تاريخه. المرتان السابقتان كانتا في عامي 1967 و1973.
صحيح أن البيان الذي صدر عنه لم يكن انقلابياً، على ما تصور البعض، رغم أنه حمل عنوان «البيان رقم واحد». وصحيح أنه، في المضمون، لم يأت بجديد سوى تأكيد «المطالب الشرعية» للمتظاهرين والإعلان أن انعقاد المجلس سيكون دائماً لبحث المجريات. لكن الإشارة الأبرز فيه كانت إيحاءه بأنه وضع يده على ما يجري. باختصار، أنه أمسك بالملف متعهداً حماية «المكتسبات». كل ذلك في ظل أنباء عن خطاب متوقع لمبارك، تضاربت المعلومات عما إذا كان سيعلن فيه التنحّي أو لا.
تضارب لم يمنع المتظاهرين من بدء الاحتفال بالرحيل، متسلّحين بموقف الجيش، الذي قرأوه لمصلحتهم، منتظرين خطاب الرحيل. لكن ما إن أسدل الظلام ظلاله على الحشود المنتظرة، وخرج حسني مبارك بخطاب، قيل إن الجيش حذف منه كثيراً من المقاطع، وسارع نائبه ليدلي بدلوه من بعده، حتى طرح كثيرون تساؤلات حول الموقف الفعلي للجيش. هل حقاً يقف إلى جانب المتظاهرين، أم هو مع النظام وارتأى أن موقفه هذا يمكنه الحؤول دون انهياره؟ أم هو مع النظام قلباً وقالباً، وما فعله خلال النهار لم يكن سوى خطوة منسّقة تمهّد لخطابي مبارك وسليمان؟ تساؤلات لا يمكن الإجابة عنها إلا بوضع القوات المسلّحة أمام الاختبار. اختبار لم يواجهه الجيش بعد، ولعل الطريقة الوحيدة في اندفاع المتظاهرين نحو القصر الرئاسي، وعندها سيكون هذا الجيش أمام خيار من اثنين: إما فتح الطريق أمام المتظاهرين، ويكون بذلك قد اصطفّ رسمياً مع الثورة، أو يقابلهم بالنيران، ويكون بذلك قد أجاب على هتاف المتظاهرين «واحد اتنين... الجيش المصري فين».
وتفيد معلومات «الأخبار» بأن خطاب مبارك قد سجل عند الساعة الرابعة من بعد ظهر أمس، وخاض النظام مفاوضات ماراتونية مع الجيش بشأن مسألة إذاعته من عدمها. وتضيف أن «الجيش، قبيل الظهور المتلفز لمبارك، أرسل رسالة نصية إلى الهواتف الخلوية للمواطنين المصريين، تؤكد أنه لا يزال مع مطالب الشعب وأنه سيصدر بياناً موجّهاً إلى المصريين»، مشيرة إلى أنه «ما إن انهى مبارك خطابه، حتى خرجت مسيرة إلى مسابيرو، مقر الإذاعة والتلفزيون، رغم محاصرته من الحرس الجمهوري، هاتفين: مش عايزينو حاكم، عايزينو يتحاكم»، فيما كانت الهتافات في ميدان التحرير «مش حنمشي سليمان حيمشي». وكان الحرس الجمهوري قد حاصر مقر التلفزيون لمنع صدور البيان رقم 2 للجيش بعدما تسرّب البيان الأول من دون علم الرئيس. وعمدت قوات الحرس أيضاً الى إخلاء المبنى من موظفيه.
وتؤكد معلومات «الأخبار» أن «الشريط المسجل لخطاب مبارك قد جرت منتجته مرات عديدة، وأنه سجل أكثر من خطاب». وتضيف أن «مكان مبارك غير معلوم، لكن الأكيد أنه خارج القاهرة. الرواية الأكثر شيوعاً هو أنه لم يذع شريط مبارك إلا بعد تأكيد وصوله إلى دبي. لكنّ هناك رواية أخرى تفيد بأنه غادر القاهرة إلى شرم الشيخ، برفقة قائد الأركان الفريق سامي عنان».
وكان ضباط الجيش في ميدان التحرير قد أبلغوا المتظاهرين، حوالى الساعة الخامسة بعد ظهر أمس، بأن «أخباراً طيبة في انتظارهم»، على ما أفادت مصادر في الميدان.
وتحدثت مصادر في مطار القاهرة عن «وجود أربع سيارات في المطار لنقل الأموال».
وكان الجيش المصري قد أعاد نشر قواته في مدينة نصر حوالى الساعة 11 من قبل ظهر أمس. وتقول مصادر إن «الحركة التي بدت كأنها حماية لقصر العروبة من تظاهرات اليوم (الجمعة) إنما كانت احتلالاً غير معلن لقصر الرئاسة الذي بات الجيش يسيطر عليه».

مبارك: مصر أرض الحياة والممات

وكان مبارك قد أعلن، في خطاب وجهه «لشباب مصر» الذين «يعتزّ بهم رمزاً لجيل مصري جديد يدعو إلى التغيير للأفضل»، عن تفويض صلاحياته لنائبه سليمان «على النحو الذي يحدده الدستور»، وذلك بعبارة خاطفة مرّت على نحو عابر في النصف الثاني من خطابه. وفيما طمأن المتظاهرين إلى أن دماء الشهداء التي سقطت على أيدي بلطجيته وقوات شرطته، لن تذهب سدى، جزم بأنه لن يقبل «أبداً أن أستمع لإملاءات أجنبية تأتي من الخارج مهما كان مصدرها». وإذ أعاد التشديد على أنه لن يترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وعلى أنه باقٍ في منصبه حتى شهر أيلول، أشار إلى أهمية الاستمرار بالحوار الوطني «للانتقال به إلى خريطة طريق واضحة وبجدول زمني محدد على طريق الانتقال السلمي للسلطة». وفي السياق، كرر حرصه على المضي قدماً بقرار اللجنة الدستورية القاضي بتعديل 5 مواد دستورية، هي المواد: 76 و77 و88 و93 و189، فضلاً عن إلغاء المادة 179، متعهّداً بإيقاف العمل بقانون الطوارئ فور استعادة الهدوء والاستقرار وتوافر الظروف المواتية لرفع حالة الطوارئ.
وارتأى مبارك اختتام خطابه بكلام لتعظيم نفسه، إذ إنّ «اللحظة الراهنة ليست متعلقة بشخص حسني مبارك، وإنما بات الأمر متعلقاً بمصر في حاضرها ومستقبل أبنائها». وأطال سرد بطولاته أيام كان ضابطاً في الجيش حيث «شهدتُ حروبه بهزائمها وانتصاراتها. عشتُ أيام الانكسار والاحتلال، وأيام العبور والنصر والتحرير. أسعد أيام حياتي يوم رفعت علم مصر فوق سيناء. واجهت الموت مرات عديدة طياراً، وفي أديس أبابا وغير ذلك كثير». وتابع «لم أخضع يوماً لضغوط أجنبية أو إملاءات. حافظت على السلام. عملتُ من أجل أمن مصر واستقرارها. اجتهدتُ من أجل نهضتها. لم أسع يوماً الى سلطة أو شعبية زائفة. أثق أن الأغلبية الكاسحة من أبناء الشعب يعرفون من هو حسني مبارك ويحزّ في نفسي ما ألاقيه اليوم من بعض بني وطني». وفي النهاية، جدد التأكيد أنه سيموت في مصر بقوله «مصر بداية العمر ومشواره ومنتهاه، وأرض المحيا والممات، ستظل بلداً عزيزاً. لا تفارقني أو أفارقها حتى يواريني ترابها وثراها».

سليمان: إلى المنازل عودوا

ولم يكد مبارك ينهي خطابه، حتى أطلّ نائبه، المفوّض صلاحياته، عمر سليمان، ليطالب «المحتجين في ميدان التحرير بإنهاء تظاهراتهم والعودة الى بيوتهم»، ملتزماً بتحقيق الانتقال السلمي للسلطة وتنفيذ كل ما تعهد به خلال الحوار مع قوى المعارضة.
وتوجه سليمان إلى المتظاهرين في ميدان التحرير بالقول «يا شباب مصر وأبطالها، عودوا إلى دياركم وأعمالكم، فالوطن يحتاج إلى سواعدكم. لا تنصتوا إلى الإذاعات والفضائيات المغرضة التي لا هدف لها إلا إشعال الفتن والعمل على إضعاف مصر وتشويه صورتها. استمعوا فقط إلى ما تمليه عليكم ضمائركم».
وتعهد سليمان بأن ينجز الوعود التي قطعها مبارك، والخاصة بالإصلاحات الدستورية والتشريعية، معرباً عن التزامه «بإجراء كل ما يلزم لتحقيق الانتقال السلمي للسلطة وفقاً لأحكام الدستور». وأشار إلى الحوار الذي أجراه مع بعض قوى المعارضة، قائلاً «توصلنا إلى تفاهمات ووضعت خريطة طريق لتنفيذ معظم المطالب طبقاً للزمن المتاح، ولا يزال الباب مفتوحاً لمزيد من الحوار». وأضاف «أعلن تمسّكي بتنفيذ كل ما تعهدت به من إجراءات بالحوار الوطني وما يتّفق عليه لاحقاً». ودعا إلى «الحفاظ على ثورة الشباب ومكتسابتها والعمل على استعادة الثقة بيننا، مع احترام الدستور والقانون، وأن نحقق مطالب الشعب بالحوار الواعي».
وأعرب سليمان عن ثقته بأن «هذا الشعب البطل لن ينجرف أبداً إلى مخاطر الفوضى، ولن يسمح لأصحاب التخريب والترويع بأن يكون لهم وجود بينكم». وطالب كل المواطنين بأن ينظروا إلى المستقبل وجعله «مشرقاً وزاهراً بالحرية والديموقراطية».
وتفيد مصادر «الأخبار» بأن سليمان «أحرق» على مراحل ثلاث: خطابه السلطوي عن الديموقراطية بداية، ومفاوضاته غير الجدية مع المعارضة، ودفاعه المستميت عن مبارك. حُرق في الشارع وأضيف اسمه إلى الشتائم في ميدان التحرير. والصراع اليوم هو على ما إذا كان الجيش سيكمل، هذا الجيش الذي أصبح مطلب الثورة».
وتضيف معلومات «الأخبار»، المستقاة من مصادر دبلوماسية، أن «من حسم الخيار نحو تفويض سليمان صلاحيات الرئاسة كانت واشنطن».
الخطابان كان لهما استقبال واحد في ميدان التحرير، حيث احتشد نحو ثلاثة ملايين مواطن مصري، في حشد هو الأضخم منذ بداية الثورة. ورفع المحتجّون الأحذية ولوّحوا بها تعبيراً عن الغضب وخيبة الأمل من الخطابين. كذلك شارك مئات الآلاف من المتظاهرين في مدينة الإسكندرية الساحلية ومدن في محافظة أسوان في أقصى جنوب البلاد ومدن في محافظة الغربية بدلتا النيل في مسيرات غاضبة بعد الكلمة.
وهتف المحتجون في ميدان التحرير «يسقط يسقط حسني مبارك» و«ارحل... ارحل» و«بنينا الثورة طوبة طوبة وبكرة نروح قصر العروبة»، في تهديد بالزحف إلى قصر الرئاسة المصرية في ضاحية مصر الجديدة في القاهرة لدعوة مبارك إلى التنحي. وفي مدن أسوان وكوم امبو وإدفو في محافظة أسوان، نظم مئات المحتجين مسيرات غاضبة قائلين، إن اليوم لن يكون «يوم الزحف (إلى القصور الرئاسية كما قال منظمو الاحتجاجات)» بل «يوم الموت».
«يوم الموت» سيحسمه الجيش، الذي ساد لغط حول موقفه بعد بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي صدر تحت الرقم واحد، والذي تضمن عبارات غامضة أشارت إلى أن «المجلس في حالة انعقاد دائم»، انطلاقاً من «مسؤولية القوات المسلحة، والتزاماً بحماية الشعب ورعاية مصالحه وأمنه».
الدعوات إلى تدخل الجيش افتتحها المعارض محمد البرادعي، الذي رأى «أن الوضع في مصر على وشك الانفجار». وقال، في رسالة على «تويتر»: «أطالب الجيش بالتدخل الفوري لإنقاذ مصر. صدقيّة الجيش على المحك».
كلمة مبارك كان لها وقع في العواصم العالمية، ولا سيما في واشنطن. فبعدما توقّعت الاستخبارات الأميركية أن يتنحى مبارك في خطابه، خرج الرئيس الأميركي باراك أوباما ليحيّي «ثورة الشباب في مصر»، الذين قال إنهم «يصنعون التاريخ». لكن سقوط التوقعات عند واقع الخطاب، دفع أوباما إلى جمع مجلسه للأمن القومي لبحث الوضع بعد كلمة الرئيس المصري.
بدوره، قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إنه يأمل أن تتجه مصر صوب الديموقراطية. ورأى أن إعلان مبارك نقل صلاحياته لنائبه «كان حتمياً». وأضاف «آمل من كل قلبي للديموقراطية الوليدة في مصر أن يأخذ المصريون وقتاً لوضع الهيكليات والمبادئ التي تساعدهم في إيجاد الطريق إلى الديموقراطية، لا إلى شكل آخر من الدكتاتورية. الدكتاتورية الدينية مثلما حدث في إيران».
وفيما أعرب وزير الخارجية الألماني غيدو فسترفيلي عن خيبة أمله بعد خطاب مبارك الذي لم يكن «الخطوة المنتظرة نحو المستقبل»، كان لافتاً تعليق وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، الذي هرع إلى واشنطن لمحاولة إنقاذ حليفه. وقال تعليقاً على الخطاب بعد لقائه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، «يعود للمصريين أن يحددوا طريقهم، وأن يفعلوا ذلك وفقاً لدستورهم وقواعدهم وأعرافهم».