لكل مدينة مصريّة حكايتها مع الثورة الشبابية التي تجتاح أرض الكنانة. حكاية تبدأ من التظاهر والاعتصام والمواجهة، وصولاً إلى الشهداء. الإسكندرية من هذه المدن، ولا سيما أنها سجّلت حضوراً دامياً منذ ما قبل انطلاق ثورة «25 كانون الثاني».

كانت الإسكندرية من المدن الأولى التي دعت إلى فكرة الثورة وتبنّتها عبر الفعاليات التي شهدتها خلال العام الماضي، سواء في قضية خالد سعيد أو التظاهرات التي طالبت بالإصلاح.

ولمّا استدعتها ثورة النيل، كانت أول من لبّى النداء. فخرج مئات الألوف من أبنائها الى الشوارع لإطلاق الشرارة الأولى في 25 كانون الثاني. طافوا شوارع المدينة، ومزّقوا جميع لافتات آل مبارك وصورهم، وخاضوا مواجهات مع قوات الأمن المركزي، التي فشلت في إجهاض تحركاتهم في البداية، قبل أن تطلق العنان لعنفها الدموي في اشتباكات خلّفت عشرات المصابين، إضافةً الى 64 أسيراً.
وقبل عاصفة جمعة الغضب، ساد المدينة الساحلية هدوء حذر: شاركت في وقفة احتجاجية يوم الأربعاء، وتظاهرة بالمئات ليلة الغضب، واعتُقل 10 نشطاء سياسيين و3 من قادة الإخوان قبل أن يفرَج عنهم. في هذا الوقت، كانت السويس والعريش والقاهرة تشهد مواجهات خلّفت شهداء، وهو ما آثار علامات استفهام حول دور المدينة، التي كانت في العادة طليعية في إدهاش الجميع بحراكها.
لكن الإجابة جاءت مدوّية يوم الجمعة. خلال 3 ساعات فقط، تضافرت جهود الأهالي مع المتظاهرين، لتكون الإسكندرية بذلك من المحافظات التي تُنهي أولى معارك الثورة وبالضربة القاضية. ومن جرى «أسرهم» من جنود وضباط في الأمن المركزي، سُلّموا الى قيادتهم من دون توجيه أذى إليهم، رغم أنهم رموا المتظاهرين برصاص مطاطي وقنابل مسيّلة للدموع عقب صلاة الجمعة.
كذلك أُحرقت أقسام شرطة المحافظة بعد مواجهات بين العديدين ممّن طاولهم أذاها، ورجال الشرطة، الذين أطلقوا الأعيرة النارية بطريقة عشوائية في بعض الأقسام، مثل قسم محرم بك الذي خلّف 7 شهداء، وقسم رمل ثان، الذي خلّف أكثر من 13 شهيداً، قبل فرار الضباط، فيما كُتب على قسم سيدي جابر «خالد سعيد»، فضلاً عن إحراق مبنى المحافظة وقسم شرطة الترحيلات بالكامل، وهو القسم الذي استُجوب فيه الشهيد سيد بلال قبل وفاته على يد ضبّاط مباحث أمن الدولة. لتعلن بعدها الإسكندرية تقديم 50 شهيداً خلال اليومين الأوّلين للثورة.
وفي نهاية اليوم، نزلت قوات الجيش لتلقي التحية على المواطنين، قبل أن يسود التوتر مع شيوع أنباء عن هروب سجناء من سجن برج العرب. فردّ الأهالي بإنشاء لجان شعبية لحماية الممتلكات ليلاً، على أن يستأنفوا نشاطهم الثوري صباحاً كي تتلاقى صرخاتهم مع صرخات إخوانهم في الوطن في ميدان التحرير وباقي المحافظات، ولا سيما بعد الخطاب الأول للرئيس مبارك، الذي وصفه المتظاهرون والنشطاء «بالمستفزّ».
استمر هذا الوضع حتى يوم الثلاثاء مساءً، وهو اليوم الذي وصل فيه عدد المتظاهرين في الإسكندرية إلى أكثر من مليون. حينها ألقى مبارك خطابه الثاني، وأطلق بلطجيته عند صباح اليوم التالي، لكنّ الثوار نجحوا في التصدّي لهم، وسلّموهم الى الجيش.
خرجت عندها تظاهرتان مؤيدتان «للريس»، ضمت كل منهما 500 فرد، إحداهما حاولت الاحتكاك بالمحتجين، الذين ألّفوا بدورهم قوة قوامها أكثر من 10 آلاف متظاهر أمام مسجد القائد إبراهيم الشهير، لكن العقلاء نزعوا فتيل الأزمة، بعدما اعترف العديدون منهم بأنهم تلقوا أموالاً من أحد أعضاء الحزب الوطني في الإسكندرية.
في الأيام التالية اختفت تظاهرات «الريس» تماماً لتكون الإسكندرية بذلك من المدن التي لم تشهد أيّ مواجهات بين أنصار الرئيس ومعارضيه. الصورة لم تتبدّل كثيراً في ما بعد. التزم ثوار الإسكندرية بما يجري التنسيق بشأنه مع ثوار ميدان التحرير، كي تخرج التظاهرات المليونية أيام الأحد والثلاثاء والجمعة.