... وكان «جمعة التحدّي» هو اليوم الحاسم، بعد تأجيل انتصار إرادة الشعب المصري من أيام «الغضب» و«الصمود» و«الرحيل» و«الزحف». سقط النظام، لكن ساعات ما قبل سقوطه كانت طويلة طول سنوات ضوئية ربما

ما قبل إعلان سقوط نظام الرئيس حسني مبارك ونائبه عمر سليمان كان غير ما بعده. فإن كانت دقائق ما بعد السقوط أسعد اللحظات بالنسبة إلى ملايين المصريين والعرب والأحرار في العالم، فإنّ الساعات التي فصلت بين الخطاب الصادم لمبارك، مساء أول من أمس، وإعلان سليمان سقوط النظام، عصر أمس، كانت من أقسى الأوقات.
حال غليان تامّة سادت جميع شوارع مصر وطرقاتها ترجمت صدمة المصريين إزاء عناد مبارك ونظامه، وهو ما عكسته الملايين تظاهراتٍ غاضبة ومتوترة وصلت إلى حصار قصر الرئاسة (العروبة) في مصر الجديدة شرق القاهرة، كذلك مباني التلفزيون والإذاعة، وسط سقوط مبانٍ حكومية عديدة بيد الشعب في محافظة السويس مثلاً.
كل الخشية كانت من «حمام دم» يمكن أن يحصل أمام القصور الرئاسية المحاصَرة في القاهرة والإسكندرية، إذ إن حالات من الغليان الغاضبة كانت تنتاب المصريين، وسط وصول أعداد المتظاهرين إلى أرقام قياسية جديدة لم تشهدها مصر منذ بدء «ثورة النيل» قبل 17 يوماً. أما سياسياً، فكانت تعرف آخر المحاولات البائسة من النظام المتداعي، بدليل استقالة أحد أقوى رجال النظام، الأمين العام الجديد للحزب الوطني الحاكم المعين حديثاً، حسام بدراوي، في ظل استمرار أركان النظام في الإيهام بأن كل شيء تحت السيطرة، أكان من خلال التصريحات المضحكة لوزير الخارجية أحمد أبو الغيط، أو عبر تسمية رئيس الحكومة أحمد شفيق نائباً له لشؤون ما يسمّيه «الحوار».
أما الجيش، فظلّ العنوان الأبرز الذي كان الجميع ينتظر موقفه ورد فعله. ولم يفعل «البيان رقم 2» لـ«المجلس الأعلى للقوات المسلحة» سوى زيادة غضب المتظاهرين الذين كانوا يواجهون قناصة الحرس الجمهوري المنتشرين على سطوح قصور الرئاسة. في هذا الوقت، كانت عواصم العالم تصدر مواقف مستنكرة لخطاب مبارك، وخصوصاً أن واشنطن «دُهشَت» منه بعدما بدا أنها كانت تملك معلومات مؤكدة تفيد بأن مبارك سيعلن تنحيه، بحسب معلومات فضائية «الجزيرة».
وكان المتظاهرون قد وصلوا ليلهم بنهارهم، حين خرجوا بالملايين في مختلف أنحاء البلاد، واستمر تدفقهم إلى «مقر» الثورة في «ميدان التحرير». ومن هناك، انقسموا إلى مجموعات؛ منهم من توجه للاعتصام أمام التلفزيون، وبعضهم الآخر ذهب إلى قصر «العروبة». وهناك، كان أفراد الحرس الجمهوري بانتظارهم، إذ أقيم سد عسكري منيع محيط بالقصور التي انتشر على أسطحها قناصة الحرس، من دون تسجيل اشتباكات تُذكَر رغم اقتراب المتظاهرين إلى مسافة 50 متراً من جدران القصر، ومع أنهم باتوا ليلتهم هناك.
وظل التوتر مسيطراً حتى حان وقت صلاة الجمعة التي كانت مناسبة لزيادة حماسة الشباب، وخصوصاً أن مضامين الخطب حملت مطالب المتظاهرين، مضافاً إليها تشديد على ضرورة عدم الاستسلام والتحلي بالنفس الطويل حتى سقوط النظام. وبلغ عدد المتظاهرين ذروته بعد الصلاة، إذ وصل إلى نحو 3 ملايين، بعدما انضم إليهم عدد من علماء الأزهر الذين نظموا مسيرة انطلقت من الجامع الأزهر إلى الميدان. ضيوف آخرون استقبلهم أهل «التحرير»، كانوا عبارة عن ثلاثة عسكريين وضباط في الجيش خلعوا بزاتهم والتحقوا بالمتظاهرين.
أما في الإسكندرية، فقد وصل عدد المتظاهرين إلى مليون، كان لهم مقر خاص أمام مسجد القائد إبراهيم في منطقة محطة الرمل. ومن هناك، توجهوا إلى قصر الرئاسة في منطقة رأس التين للمطالبة بتنحي مبارك. وكان لافتاً أنّ متظاهري ميدان التحرير، كما الإسكندرية، تحلّوا بوعي سياسي وطني كبير؛ فقد شهدت الإسكندرية حرقاً لعدة أعلام أميركية، بينما شدّد خطاب مؤدّي صلاة الجمعة في «التحرير» على الطلب من «الولايات المتحدة وإيران وحزب الله» عدم التدخل بأي شيء وأي موقف يتعلق بالثورة المصرية.
كذلك شهدت محافظة المنيا في الصعيد تظاهرتين حاشدتين، إحداهما في مدينة ملوي، والأخرى في مدينة المنيا. وكذلك مدينة سوهاج في الصعيد وقنا والأقصر والمحلة الكبرى ودمياط والسويس، حيث سقط عدد من المباني الحكومية في أيدي المنتفضين. ومن بين تلك المباني، مقر ديوان عام المحافظة ومبنى حي السويس ومبنى حي الأربعين في المدينة التي شهدت منذ بدء الثورة استشهاد 24 شخصاً على أيدي بلطجية وشرطة النظام. حتى إن الجيش اضطر إلى التدخل لإخراج محافظ السويس بسيارة إسعاف خشية أن يمسك به المحتجون.
وفي محافظة الشرقية، في دلتا النيل، تظاهر الآلاف أيضاً رفضاً لبقاء مبارك وسليمان، وهو ما حصل في المنصورة والعريش، عاصمة محافظة شمال سيناء، التي سقط فيها خلال اليومين الماضيين 10 شهداء و35 جريحاً في اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين وعائلات مساجين وأفراد قبائل. وكانت جماعة «الإخوان المسلمين» قد انتهزت الفرصة لدعوة المحتجين إلى مواصلة الاحتجاجات في الشوارع، واصفةً تنازلات مبارك بأنها «خدعة للبقاء في السلطة»، علماً بأن الجماعة كانت متحمسة للمشاركة في الحوار مع سليمان، وقد سحبت جزءاً من أنصارها من ميدان التحرير في الأيام الأخيرة.
أما الجيش، فكرّس ضبابية مواقفه حين أعلن بيانه الرقم 2 الذي حُسب دفاعاً عن شرعية النظام، بعدما جاء فيه تشديد على أن يكفل تحقيق الإصلاحات التي وعد بها مبارك، واعداً بضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة، إلى جانب دعم التنازلات الأخرى التي قدمها مبارك للمحتجين. وفي البيان، قال المجلس الأعلى للقوات المسلحة إنه يضمن «إنهاء حالة الطوارئ فور انتهاء الظروف الحالية». وأكد «عدم الملاحقة الأمنية للشرفاء الذين رفضوا الفساد وطالبوا بالإصلاح (من المحتجين)، وحذر من المساس بأمن وسلامة الوطن والمواطنين»، مشدداً على «ضرورة انتظام العمل بمرافق الدولة وعودة الحياة الطبيعية حفاظاً على مصالح شعبنا العظيم وممتلكاته».
في هذا الوقت، حاول وزراء حكومة شفيق استرداد المبادرة، فقرروا تأليف لجنة للتحقيق وتقصي الحقائق بشأن الجرائم التي ارتكبها نظامه منذ بدء الثورة، بموازاة تسميته نائباً له لإدارة شؤون «الحوار الوطني»، نزولاً عند طلب عمر سليمان. أما وزير المال سمير رضوان، فكان كل همه محصوراً بطمأنة المستثمرين الأجانب إلى أن الجيش «لا يتدخل في عمل الحكومة اليومي، وأن الميزانية والتضخم تحت السيطرة».
ولم تطل فترة إقامة الأمين العام للحزب الوطني الحاكم حسام بدراوي في مركزه، إذ أعلن استقالته بعد أقل من أسبوع من تعيينه، فيما بدا أنه دفع ثمن مواقفه التي أعلنها أول من أمس، والتي حثّ فيها مبارك على التنحي.
في غضون ذلك، بدأت إشارات سقوط مبارك ونظامه تتضح عند إعلان فضائية «العربية» السعودية انتقال مبارك وعائلته إلى القصر الرئاسي في شرم الشيخ. معلومة سارعت واشنطن إلى الترحيب بها على قاعدة أنها «خطوة أولى إيجابية». وكانت مروحيتان عسكريتان تحطّان فوق قصر العروبة ثم تغادرانه، ما أثار المزيد من غضب الثوار الذين ظن بعضهم أنّ المروحيتين تحملان مبارك وأسرته. وكان وزير المال الأسبق في حكومة أحمد نظيف، يوسف بطرس غالي، آخر الناجين من المحاسبة، إذ سارع إلى الهرب من القاهرة إلى بيروت عصراً.
وفي النهاية، بدا أن شيئاً كبيراً سيحصل بعدما أعلنت وكالة أنباء الشرق الأوسط الحكومية، والتلفزيون الرسمي أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة سيصدر «بياناً هاماً إلى الشعب» في غضون دقائق. بلاغ حاسم آخر صدر مبشِّراً بأن بياناً منفصلاً آخر سيصدر عن رئاسة الجمهورية... وبعدها حصل ما حصل، وأصبح مبارك ونائبه وحكمه برمته بحكم السابقين.
(الأخبار)