مَن هم عناصر الجيش المصري وضباطه الذين كتب لهم الشاعر المصري الشيوعي أحمد نجم، وغنّى لهم رفيقه الشيخ إمام عيسى باللهجة العامية: «دولا عساكر مصريين، دولا ولاد الفلاحين، دولا القوّة ودول العزّ»؟

يُعدّ الجيش المصري بالنسبة إلى ملايين المصريين الحائط الأخير الذي يتدخل في أوقات الطوارئ والأزمات ذات الطابع الخاص، بدايةً من حالات التمرُّد في صفوف قوات الشرطة، كما حدث في ثمانينيات القرن الماضي، ونهايةً بأزمات نقص الخبز والمواد التموينية في بعض المناطق، وأخيراً لإنقاذ النظام الأمني الذي انهار تماماً في يوم الجمعة الحزين في 28 كانون الثاني الماضي.
ويتميز هذا الجيش بتاريخه المشرِّف في التصدي للأعداء على مر التاريخ، وأيضاً بعلاقته الوطيدة والودية مع أبناء الشعب. ويرجع ذلك إلى نظام التجنيد المتَّبَع في صفوف القوات المسلَّحة المصرية الذي يؤدي مباشرة إلى إيجاد مزيج معنوي طيّب بين المؤسسة العسكرية وأبناء الشعب. فالجيش المصري، الذي يحمل شعارات معنوية عديدة من أبرزها «خير أجناد الأرض»، هو عاشر أكبر جيش في العالم، وهو الذي قاد ثورة 23 تموز 1952 ضد الاحتلال البريطاني والقصر الملكي، وهو الذي دافع عن مصر في حروبها الأربع ضد إسرائيل في 1948 و1956 و1967 و1973، وهو مَن حافظ على مر العصور على مبدأ عدم إطلاق رصاصة واحدة على مواطن مصري، فضلاً عن أن هذه المؤسسة هي التي قدمت كافة رؤساء مصر حتى الآن منذ عام 1952، بداية بمحمد نجيب ثم جمال عبد الناصر مروراً بأنور السادات، ووصولاً إلى محمد حسني مبارك ونائبه المفوَّض صلاحياته عمر سليمان المخلوعَين.
وتتمتع القوات المسلحة بقدر كبير من الثقة والقوة، سواء في الإعداد أو التدريب أو التمويل، فهناك أعداد كبيرة من مسؤولي الجيش وضباطه يتلقون تدريباتهم العسكرية على أعلى المستويات في الدول المتقدمة، وخصوصاً الولايات المتحدة. ويتقاضى أفراد المؤسسة العسكرية عادةً، ولا سيما ضباطها، رواتب ومكافآت وامتيازات مجزية تجعلهم قادرين على العيش عيشاً كريماً إلى حد ما، وبعيداً عن الأزمات المعيشية التقليدية التي يعانيها قطاع كبير من المصريين. كذلك هم يحصلون على رواتب جيدة عند التقاعد، ويتمتعون بخدمة متميزة للتأمين الصحي. ومع ذلك فمعروف بين المصريين على نطاق واسع عدم فساد رجال الجيش، بدليل استخدامهم سيارات صغيرة وبسيطة في تنقلاتهم الرسمية مثلاً، ووجود ضوابط تمنع استخدامهم امتيازاتهم في غير أغراض العمل، بخلاف ما يحدث في جهاز الشرطة.
وتمثّل المساعدات العسكرية التي تحصل عليها مصر من الولايات المتحدة، والتي كانت قد أقرّتها واشنطن منذ عام 2007 بقيمة 13 مليار دولار على مدى عشرة أعوام، تدعيماً لقدرات الجيش المصري، فضلاً عن حركة تعاون عسكرية ضخمة بين الجيش المصري ودول أخرى سواء في مجالات التدريب أو التمويل والعتاد.
وقد مكّن هذا الأمر القوّات المسلحة من امتلاك قدرات قتالية حديثة جعلتها مثار قلق في كثير من الأحيان بالنسبة إلى إسرائيل، بدليل إعراب تل أبيب مراراً عن قلقها من أن مصر تمتلك طائرات «أف 16» تضاهي ما تملكه إسرائيل من هذا النوع من الطائرات. كذلك تضخّ مؤسّسات الإنتاج الحربي والتصنيع العسكري كميات لا بأس بها من الأسلحة والمعدّات المتقدمة التي حصلت مصر على رخص تصنيعها مثل دبابات «أبرامز إم 1».
والأهم من ذلك هو حجم الدعم المعنوي الكبير الذي يحصل عليه قادة الجيش ورجاله من خلال وجود الرئيس السابق حسني مبارك على رأس المؤسسة العسكرية بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وحرصه المستمر على حضور مناسبات الجيش واحتفالاته.
وقبل اندلاع «ثورة النيل»، ظل مبارك يشغل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، فيما وزير الدفاع هو المشير حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة. ومن أبرز القادة الآخرين المتخرجين من المؤسسة العسكرية عمر سليمان، إضافة إلى الفريق سامي عنان الذي يتولى رئاسة أركان القوات المسلحة، والذي كان يزور واشنطن وقت اندلاع الأزمة، واضطر للعودة عاجلاً إلى القاهرة لمتابعة الموقف. ويتألف الجيش المصري من أربعة فروع رئيسية: القوات البرية والبحرية والجوية، والدفاع الجوي، بالإضافة إلى قوتين أخريين لهما نفوذ كبير تتبعان وزارة الدفاع: الأولى هي قوات الحرس الجمهوري المكلفة بحماية الرئاسة وتحركات الرئيس والمنشآت التابعة له، والثانية هي قوات حرس الحدود المكلفة تأمين الحدود المصرية من رفح شرقاً إلى السلوم غرباً، ومن ساحل البحر المتوسط شمالاً إلى حدود السودان جنوباً. وتضم القوات البرية الفروع الخاصة بها، مثل قوات المشاة والمدرعات والهندسة العسكرية والمدفعية والإشارة... وتبلغ سن الخدمة العسكرية الإجبارية للشبان المصريين 18 سنة، بحد أدنى سنة تجنيد واحدة للحاصلين على المؤهلات العليا وثلاث سنوات للحاصلين على مؤهل متوسط أو أقلّ. وبلغ عدد المجنَّدين في عام 2005 أكثر من ثمانية ملايين شاب مصري، بينما يبلغ عدد الأفراد العاملين في القوات المسلحة بنحو دائم 450 ألف فرد، وبلغ مستوى الإنفاق العسكري على القوات المسلحة المصرية 6,5 مليارات دولار في عام 2009.
الحرس الجمهوري
أما قوّات الحرس الجمهوري، فالحديث عنها مختلف، وخصوصاً أنها تشكيل عسكري يضمّ نخبة العناصر وأقواهم لتكون «جيشاً» ذا طابع خاص ووظائف مختلفة. وأبرز ما يُذكَر لتاريخ الحرس الجمهوري هو أنه الفرقة التي صدّت المحتل الإسرائيلي في منطقة السويس في حرب تشرين الأول عام 1973. وقد جاء الحديث عن هذه القوات للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة، يوم أمس، تحديداً حين أعلن المتظاهرون اعتزامهم التوجه بمسيرة حاشدة صوب منطقة القصر الجمهوري في حي مصر الجديدة الراقي شرق القاهرة. حينها، تردّدت مخاوف من وقوع اشتباك مسلح بين المتظاهرين وقوات الحرس الجمهوري المكلفة تأمين القصر الرئاسي في حال محاولة المتظاهرين اقتحام المبنى الرئاسي أو تهديد حياة الرئيس، رغم أن هذا الاحتمال كان شبه معدوم إذ إن أغلب الظن كان يفيد بأن مبارك وأفراد أسرته كانوا خارج القاهرة.
وما يميّز قوات الحرس الجمهوري أيضاً أنها تتلقّى تعليماتها من الرئاسة مباشرة، لا من قيادة القوات المسلحة، وذلك على الرغم من أنه إحدى الفرق التابعة للجيش رسمياً. والسبب في ذلك أن مهمة هذه القوات أصلاً هي حماية رئيس الجمهورية وتأمين مقار الرئاسة وتحركات أفراد أسرة الرئيس. وتتداخل هذه القوات إلى حدّ كبير مع قوات الحرس الشخصي للرئيس أيضاً، كما تمتدّ صلاحيات هذه القوة إلى حماية المنشآت العامة والأماكن والمقار التي يزورها الرئيس في أي ركن من أركان البلاد.
وتتولّى قوات الحرس الجمهوري، التي يقع مقرها في حي مصر الجديدة، في مكان ملاصق لمبنى الرئاسة، حماية النظام الجمهوري بأكمله. وتستخدم في ذلك كل ما أوتي هذا الجهاز من قدرات ومعدّات وأفراد، ومن بينهم أفراد القوات الخاصة وعربات المركبات المدرعة، ويعمل ضمن قيادتها عدد من رجال الاستخبارات والأمن. وقد انضمت أخيراً إلى الحرس الجمهوري، قوات مروحية وطائرات تصوير واستطلاع تستخدم في تأمين تحركات الرئيس وتنقلاته.
ويعرف عن أفراد الحرس الجمهوري ـــــ وعددهم غير معروف في أغلب الأحوال ـــــ قدراتهم على خوض المعارك القتالية على الأرض وبشتى أنواعها وأحجامها، ولدى هذه القوات تعليمات صارمة بإطلاق النار فوراً على كل من يثبت أنه يهدد أمن الرئيس أو مقر الرئاسة.