القاهرة ـ «مبروك مصر حرة حسني برا»، معايدة تبادلها المصريون فور انتشار خبر تنحي حسني مبارك. فما إن نبس عمر سليمان بكلمة التخلي، حتى اندفع المواطنون إلى شرفات منازلهم وأطلقت النسوة الزغاريد. وما هي إلا لحظات، حتى شوهد المصريون يندفعون بأعداد غفيرة إلى ميدان التحرير وأماكن التجمعات للاحتفال برحيل الديكتاتور، فيما جابت مواكب سيارة الشوارع المحيطة، مطلقة الأبواق احتفالاً.

ورغم أن الملايين كانوا ينتظرون الخبر، فإن الكثيرين منهم تشككوا به بعد إعلانه، وعدّوه مراوغة ومناورة أخرى من أعمال النظام، فيما اعترى آخرون الذهول لحدوث شيء كانوا يعدّونه حلماً صعب المنال.
أما محطة النصر، ميدان التحرير، فقد تحولت إلى «مولد» متنوع العروض، وحَّد بين الجميع. الحشود الغفيرة التي غص بها الميدان والمداخل المؤدية إليه، وصولاً إلى «كوبري» النيل اختلفت فيه تعابير الجماهير عن فرحتها «بالهم الذي انزاح عن صدورهم». الإسلاميون، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون، أدوا صلاة الشكر على إزاحة مبارك، فيما عقد آخرون حلقات طويلة من الرقص والغناء ودق الطبول والقرع على المزامير. ومن بين كثافة الأعلام المصرية التي رفرفت فوق الرؤوس، علت المفرقعات النارية التي ألهبت سماء الميدان، وسببت بث الذعر في نفوس البعض للوهلة الأولى، لظنهم أنه إطلاق نار أو بداية اشتباكات في رد فعل على التنحي.
وإلى رصيف الشهداء، تنادت عائلاتهم وأصدقاؤهم وأضاؤوا الشموع عن أرواحهم، تعبيراً عن دورهم الرئيسي في النصر الذي تحقق.
واللافت أن الملايين الذين نزلوا إلى الشوارع للاحتفال حافظوا على انضباطهم، فيما فضّل عناصر الجيش ضبط انفعالاتهم والبقاء على الحياد، لدى اعتلاء المبتهجين لدباباتهم المرابطة على مداخل الميدان، في محاولة لتحيتهم وتقليدهم علم مصر.
وسرعان ما استبدل المنتصرون شعاراتهم وكلمات أغانيهم، بما أصبح يناسب المرحلة. تحول الشاب صاحب الغيتار من غناء «ارحل امشي يلي ما بتفهمشي... والشعب يريد إسقاط النظام» إلى«الشعب خلاص اسقط النظام». لكن الشعارات المستجدة ركزت خصوصاً على تحية القوات المسلحة مثل «الشعب والجيش إيد واحدة»، علماً بأن مروحيات الجيش ما انفكت تحوم في أجواء الميدان طوال الاحتفالات.
مع ذلك، ارتفعت أصوات قليلة هتفت «مدنية.. مدنية» فور إعلان عمر سليمان تولي الجيش لمقاليد الحكم، في إشارة إلى أن «الشعب ملّ من الحكم العسكري وحال الطوارئ». أما النكات، فسريعاً ما صنعت لتواكب الأحداث، فانتشرت بين المحتفلين نكتة مفادها أن «مبارك ترشح لرئاسة تونس، ما حدا بالتونسيين إلى المطالبة بعودة بن علي».
في زاوية أخرى، وفور تلقيه النبأ توجه الناشط محمد علام (32 عاماً) من نقطة اعتصامه في الميدان إلى أحد المباني المقابلة. توقف عند مدخل الدرج قرب زاوية لبيع الكتب التي منعها النظام ويعود ريعها إلى دعم الثورة. اختار كتباً لعبد الحليم قنديل وآخرين وذيلها بإهداء إلى صاحب الشقة العلوية في المبنى: بيار. الفنان الذي فتح شقته طوال أيام الثورة لعشرات الناشطين والناشطات الذين حولوها إلى استراحة وخلية نحل إعلامية لمد المواقع الإلكترونية بالأخبار والصور عن يوميات الأحداث. وعلى الشرفات المطلة على أضخم حشد في الميدان منذ اندلاع الثورة، علت هتافات «حررنا الميدان والجبان خلع». لكن الناشطين الشبان الذين لم يتعبوا من غناء «مع السلامة يا ابن الحرامية» بنغمات مختلفة، استمعوا إلى تجارب من جيل سبقهم، استذكر انتفاضة الخبز التي اندلعت ضد نظام أنور السادات عام 1977 احتجاجاً على ارتفاع الأسعار. وبرغم أن السادات استجاب للمطالب الشعبية وخفض الأسعار، لكنه في المقابل انتهج أساليب غيبت المعارضة وقتلت الحس الثوري الرافض لدى المصريين، ما دفع بالبعض إلى التساؤل هل يكون هذا مصير الثورة؟ ورغم أن الجميع اتفق على عدم إمكان المقارنة بينها وبين ثورة قلب النظام، إلا أنهم تشاركوا في الموقف الصامت من الغد؛ إذ يدرك محمد أن صباح اليوم سيشهد تعزيزات في الاحتفالات بالنصر، بعد تلقيه اتصالات من الناشطين في أسيوط ومدن الصعيد، بأنهم سينضمون إلى الميدان وينجزون تجمعاً لم تشهده مصر منذ جنازة الرئيس جمال عبد الناصر، وذلك عملاً بالشعار الذي تمسكوا به «مش حنمشي هو يمشي». لكن المصير المجهول الذي ينتظر البلاد لا يمنع من الشعور بالنصر بسبب إزاحة مبارك ونظامه. فالشاب لا يزال ينتظر بتّ الشكوى القضائية التي رفعها على مدير مستشفى عمل فيه، وشهد على الفساد وأعمال البلطجة التي مارسها المدير المقرب من وزير الصحة السابق.
تنتاب عيني محمد فرحة كافية برأيه، توحي بأنه الآن يطرد المدير بعد أن طرد وزيره ثم رئيسه.
في الميدان، قرر البعض تأجيل الإجابة عن السؤال بشأن الغد والخطوة التالية بعد إسقاط الرئيس، فيما أقّر آخرون بأنهم يجهلونها أصلاً. مع ذلك، في شقة بيار تمسك الشباب بتفاؤل متين مفاده أن الحكومة المقبلة «ستكون مننا لسببين: الأول، أننا أصحاب الحق والفضل بما حصل. والثاني، أن نظام مبارك دمر المعارضة التي لم تعد قادرة على التفرد بالسلطة وحدها والتأسيس لنظام فاسد آخر».